فهرس الكتاب
ولعلّ من مظاهر هذا الإطلاع المتعمّق نصّه في بعض المواضع على رواية البيت على هذا النحو أو ذاك إشارة منه إلى وجود رواية أخرى، على نحو ما فعل في معرض حديثه عن الإخبار بالجملة على رأي بعض النحويين، فأورد قول طرفة بن العبد [1] :
ألا أيّهذا الزاجري أحضرُ الوغَى
وقال في رواية مَنْ رفع، أي مَنْ رفع الفعل المضارع"أحضرُ": وليس بخاف أن للبيت روايةً ثانية وهي بنصب الفعل"أحضرَ"على إعمال"أنْ"الناصبة محذوفة.
4ـ أثر الثقافة المنطقيّة:
عُرِفَ عن أبي حيان مقته للفلسفة والمنطق [2] ، وبعده عن الفلسفة والاعتزال، ذلك أن سوق الفلاسفة والمنطقيين كانت كاسدة في الأندلس آنذاك، فكان"إذا بيع كتاب في المنطق إنّما يباعُ خفية، وأنه لا يتجاسر أن ينطق بلفظ المنطق إنما كانوا يسمونه"المفْعِل"، حتى إنّ أحد أصحاب أبي حيان كتب إليه من الأندلس أن يشتري له أو يستنسخ كتابًا في المنطق، فلم يتجاسر أن ينطق بالمنطق وإنما سمّاه في كتابه إلى أبي حيان بالمفعِل."
إلا أن دارس الكتاب لا يمكنه أن يُعْرِض عن المظاهر المنطقية التي تشيع في جوانب كثيرة من الكتاب، بما يشهد على تأصُّل هذه الثقافة في ذهن أبي حيان، ثم انعكاسها على كتابه"التذييل"دقة وتفريعًا وتقسيمًا، وأقيسة وحدودًا، وتعليلًا.
ولعل أهم مظاهر هذه الثقافة عنايته بالحد. وقد سبق أن عرفنا شدة اعتناء أبي حيان بالحدود وتحليلها، حتى إنَّ"التذييل"لتجد ما فيه من نحو منطقي في التحديد والتقسيم والتحليل، ومن عناية بالعلة وبحث في العامل [3] .
(1) البيت لطرفة في ديوانه: 31.
(2) أبو حيان النحوي: 78، والبحر 5: 150.
(3) النحو العربي: 141.