فهرس الكتاب
وتظهر عنايته بالحدود من خلال انتقاداته لحدود ابن مالك الناقصة حينًا، والمعتمدة على حدّ الشيء بأمور عارضة حينًا آخر، ذلك أنَّ الحدّ إنما يكون بالذاتيات لا بالعوارض، والحد إنما يبدأ بالجنس أوّلًا، ثمّ يؤتى بالفصل. ففي حدّ ابن مالك للكلمة ذكر أنها"لفظٌ"وكلمة"لفظ"إنَّما هي نجنس شامل للمحدود وغيره، وهكذا شأن الحدود تبدأ بالجنس أولًا، ولكن ابن مالك أخذ جنسًا أبعد وترك جنسًا أقرب، وهو القول، ذلك أنَّ اللفظ يطلق على المهمل والموضوع، فكان الأولى بابن مالك الابتداء بالجنس الأقرب تحرّيًا للدقة في وضع حدوده.
وحدّ ابن مالك الاسم ـ كما سبق أن وقفنا عليه ـ بأنَّه"ما يُسنَد ما لمعناها إلى نفسها"، وهذا موضع نقد أبي حيان لابن مالك، ذلك أنَّ ابن مالك خرج بهذا الحدّ عن إجماع النحاة واتفاقهم، ذلك أنَّهم حدّوا الاسم بأمور ذاتية، فقال ابن الخشاب:"الاسم لفظ يدل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن محصّل" [1] وحدّه ابن مالك بصفة عارضة له، وهي الإسناد.
وكثيرًا ما يشير أبو حيان إلى تنكّب ابن مالك الدقة في صياغة حدوده، والإتيان بالجنس للاحتراز ـ على عادة ابن عصفور في ذلك ـ والجنس لا يُورَدُ في الحدّ للاحتراز، إنما الجنس يشمل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره" [2] ."
ولعل من مظاهر هذه الثقافة المنطقية اتكاؤه على تعريفات المنطقيين، واستخدامه ألفاظهم، فمن ذلك تبيينه لمفهوم فعل الأمر عند أبي الوليد محمّد بن أبي القاسم بن رشد الحفيد في قوله:"وأمَّا الأمر والنهي فالنحويون يقولون فيه إنه فعل مستقبل نحو: اضربْ، اذهبْ، لا تضربْ... وليس هو في الحقيقة فعلًا، لأن الأمر إنما هو استدعاء فعل، والنهي استدعاء ترك فِعْل" [3] .
(1) المرتجل: 7.
(2) التذييل 136/ أ، وانظر التذييل 3/ ب.
(3) التذييل 25/ أ.