فهرس الكتاب
النمط الثاني ـ وهو الترجمات إلى اللغات الأوروبية، والملاحظ أن القرآن جذب بطريقته المثلى في عرض جوانب من عقيدته وشريعته، وبأسلوبه المعجز المتفرّد في صياغة أفكاره ومبادئه، اهتمام كثير من الأوروبيين، وخاصة رجال الدين من القساوسة والرهبان، فدعوا إلى ترجمته أولًا قبل دراسته، ومنافحته بعد ذلك. وهذا النمط أغلبه لم يكن بأيدي المسلمين، ولم يكن الهدف المقصود منه تدبُّر أحكام القرآن، ولم تكن روح التقديس والإجلال التي عرفناها في الترجمات الشرقية متوفرة فيه. وقد نشطت هذه الترجمات على أثر اندحار العرب في الأندلس ونشوء الحروب الصليبية. وتُجمع الدراسات التي أرّخت لترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية أن أول ترجمة في أوروبة كانت كما تروي الكتب الموثَّقة، بإيعاز من القديس (بطرس المبجَّل) رئيس دير (كلوني) المتوفى سنة 1175، في دير في جنوبي فرنسة وذلك في سنة 1143، فكلّف بطرس المبجّل ثلاثة رهبان: أحدهم إنكليزي يُدعى (روبرت الرتيني) ، والثاني ألماني يُدعى (هيرمان الدلماطي) ، والثالث إسباني بترجمة القرآن إلى اللاتينية، وتمّت هذه الترجمة بالاستعانة باثنين من العرب. ووضعت هذه الترجمة تحت تصرف رجال الكنيسة ليستعملوها في استكمال دراساتهم اللاهوتية، أو القيام بأعمال التبشير الدينية، وقد كان ظهور هذه الترجمة بعد الحملة الصليبية الثانية بأربع سنوات، غير أن الدوائر الكنسية منعت طبع هذه الترجمة وإخراجها إلى الوجود؛ لأنَّ إخراجها من شأنه أن يساعد على انتشار الإسلام بدلًا من أن يخدم الهدف الذي سعت إليه الكنيسة أصلًا وهو مناهضة الإسلام، ومن طريف ما يروى أن رجال الدين في أوروبة حاربوا القرآن الكريم بإطلاق الشائعات التي تقول بأن من يترجمه أو يطبعه أو ينشره فإنه يلاقي الموت الزؤام قبل أن يحين أجله الطبيعي، وعلى الرغم من ذلك فإن حركة ترجمة القرآن وطبعه استمرت قرونًا طويلة، وخاصة في ألمانيا.