فهرس الكتاب
الأمر الذي يجعلنا ندرك أن الفارابي أدرك العلاقة بين المقاطع والأسباب، ممّا يدعو إلى القول إن الدراسات العروضية في روحها هي عبارة عن دراسة للمقاطع في اللغة العربية، ثم يتابع هذا الربط مقارنًا ما توصل إليه بنتائج الدراسات العروضية آنذاك قائلًا:"وكل حرف متحرك أتبع بحرف ساكن، فإنّ العرب يسمونه السبب الخفيف. وكل حرف متحرّك أتبع بحرف متحرّكٍ، فإنهم يسمونه السّبب الثّقيل، والسّبب الثّقيل متى أتبع بحرف ساكن سموه الوتد المجوع، لاجتماع المتحركين فيه، والسبب الخفيف متى أتبع بحرف متحرك سموه الوتد المفروق لافتراق المتحركين فيه بالسّاكن المتوسط، والسّبب الخفيف متى أتبع بحرف ساكن سمّي الوتد المفرد لانفراد المتحرّك فيه. والسبب الثّقيل متى أتبع بمتحرّك فلنسمه نحن السبب المتوالي لتوالي المتحرّكات الثلاثة فيه" [1] .
فالمقطع الطويل عند الفارابي يتألف من حرف غير مصوت أي صامت ومصوت طويل، دون أن يفصل بينهما مصوت قصير من جنس المصوت الطويل، مما يدل مرّة أخرى أن الفارابي كان يدرك أنّ المصوتات الطويلة إشباع للقصيرة فقط لا أنها نشأت من مدّها"الحروف المصوّتة إذا مدت حركاتها أدنى مد كانت قريبة من سبب خفيف" [2] ، ونجد هذه المقاربة للسبب الخفيف في قوله"وكلّ مقطعٍ طويلٍ، فإن قوّته قوّة السبب الخفيف، فلذلك يعدّ في الأسباب الخفيفة، وكلّ ما لحق الأسباب الخفيفة لحق المقاطع. وكلّ سبب خفيف فإنّه يقوم مقام نقرة تامّة تتبعها وقفة، وكذلك كلّ مقطع طويل"فهذا المد الداخل على المصوت القصير الذي كان يشكل قمة المقطع القصير يؤدي إلى جعله مصوتًا طويلًا يمثل قمة المقطع الطويل [3] .
(1) المصدر نفسه 1072 ـ 1079.
(2) كتاب الموسيقى الكبير 1085.
(3) المصدر نفسه 1078 ـ 1079.