فهرس الكتاب

الصفحة 22199 من 23694

بل أكثر ممّا تقدّم كلّه، نجد ابن سينا يشير إلى دور النّبرة في تحديد الدلالة لقوله:"من أحوال النّغم: النّبرات، وهي هيئات في النّغم مديّة غير حفيّة، يبتدئ بها تارة، وتخلّل الكلام تارة أخرى، وتعقّب النّهاية تارة ثالثة، وربّما تكثّر في الكلام، وربّما تقلّل، ويكون فيها إشارات نحو الأغراض، وربّما كانت مطلقة للإشباع ... ولتفخيم الكلام وربّما أعطيت هذه النّبرات بالحدّة والثّقل هيئات تصير بها دالّة على أحوال أخرى من أحوال القائل أنّه متحيّر أو غضبان أو تصير به مستدرجة للمقول معه بتهديد أو تضرّع أو غير ذلك، وربّما صارت المعاني مختلفة باختلافها مثل أنّ النّبرة قد تجعل الخبر استفهامًا، والاستفهام تعجبًّا وغير ذلك، وقد تورد للدّلالة على الأوزان والمعادلة [1] ، وعلى أنّ هذا شرط وهذا جزاء، وهذا محمولٌ وهذا موضوع" [2] . حيث ربط ابن سينا النّبر أو النّغم بوظيفة الإبراز الجمالي الصّرفي.

وممّا قاله أيضًا في السّياق ذاته، أي الوظيفة الجمالية للنّبر على صعيد البنية النّحوية، لا سيما"في أقسام اللّفظ المركّب، فيجب أن لا تخلّل هذه الأقاويل الطّويلة إلاّ النّبرات التي لا ينغَم فيها، وإنّما يراد بها الإمهال فقط، وربّما احتيج أن تتخلّل النّبرات الألفاظ المفردة إذا كانت في حكم القضايا، خصوصًا حيث تكون على سبيل الشّرط والجزاء كقولهم: لمّا التمس، أعطيت، فيكون بين التمس وبين أعطيت نبرة إلى الحدّة، وهو عند الشّرط، وبعقب أعطيت نبرة أخرى إلى الثّقل، وهي للجزاء" [3] .

(1) الموضوع في لغة الفلاسفة، بمعنى المسند إليه في عرف النّحاة، والمحمول، المسند.

(2) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 266 نقلًا عن الخطابة لابن سينا، ص: 198.

(3) المرجع السابق، ص: 225 ـ 226 نقلًا عن كتاب الشفاء، الخطابة، ص: 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت