فهرس الكتاب
ومع ما توفّر من مادّة نزْرة في هذا المجال فإن المتأمّل في عمقها يستطيع أن يردّ بسهولة آراء منكري وجود النّبر في اللّغة العربيّة [1] .
3/التّنغيم:
التّنغيم في أبسط تعريف له هو موسيقا العبارة أو الجملة، الّتي تتلوّن بتلوّن الحالة النّفسية والشّعورية للنّاطق بها.
تثير مسألة التّنغيم في التّراث العربي إشكالية بين الدّارسين العرب المعاصرين، حيث يرى قسم منهم أنّ القدامى لم يتناولوا الظّاهرة بالدّراسة والتّحليل [2] .
(1) عرفت اللغة العربية النّبر، والدّليل تلك الأمثلة التي ساقها بعض اللّغويين ممّن مسّوا الظّاهرة تحت مصطلح غير النّبر، كابن جنّي الذي تحدّث عن:"التّطويح، والتّطريح، والتّفخيم، والتّعظيم، ممّا يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك: وأنت تحسّ هذا من نفسك، إذا تأمّلته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثّناء عليه. فتقول: كان والله رجلًا، فتزيد في قوّة اللّفظ، وتتمكّن في تمطيط اللاّم وإطالة الصّوت"ينظر الخصائص، ص: 2/370 ـ 371.
... وقبله أورد المبرّد قوله:"... وتجيء في فاعَلَ، والفِعَالُ، نحن: قاتله قِتلًا، وراميته رِماءً، وكان الأصل: فِيعَالاَ، لأنّ فاعلتُ على وزن: أفْعَلْتُ، وفَعْلَلْتُ، فكان المصدر كالزِّلزال، والإكرام، ولكنّ الياء محذوفة من فِيعَال، استخفافًا، وإن جاء بها فـ: مُصِيبٌ"ينظر: المقتضب 2/100.
... ومن النّصوص القديمة التي تثبت هذه البنية الصّوتية عند أهل الأندلس، ما سجّله لنا ابن حزم، حول جنوح أهل الأندلس إلى إطالة الصّائت القصير كما في:"عِنَبْ فيقولون: عِينَب"، وينظر: الأحكام في أصول الإحكام، ضبط وتحقيق محمود حامد عثمان، دار الحديث، القاهرة، ط1، دت، ص: 1/30.
(2) منهم الدّكتور تمّام حسّان الذي يرى"أنّ العربية الفصحى لم تعرف هذه الدّراسة في قديمها، وأنّ القدماء لم يسجّلوا لنا شيئًا عن هذه الظّاهرة"ينظر مناهج البحث في اللغة، ص: 197 ـ 198.
... ويذهب محمد الأنطاكي مذهبه، عند يقول:"إنّ قواعد التّنغيم في العربية قديمًا مجهولة تمامًا، لأنّ النّحاة لم يشيروا إلى شيء من ذلك في كتبهم"ينظر: دراسات في فقه اللّغة، محمد الأنطاكي، دار الشرق العربي، بيروت، ط4، د ت، ص: 197.
... ومن غير العرب، يذهب برجشتراسر إلى مثل ذلك، حيث يقول:"إنّنا نعجب من أنّ النّحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النّغمة ولا الضّغط، أصلًا، غير أنّ أهل الأداء والتّجويد رمزوا إلى ما يشبه النّغمة في إجابة مسألة كيف حال العربية الفصحى في هذا الشّأن"ينظر: التطور النّحوي للّغة العربية، ص: 46 ـ 47. منبّهًا إلى إشارات أهل التّجويد والأداء، والملاحظ أنّه فصل بين المقرئين وأهل الأداء والتجويد، حيث لا يجب الفصل، لأنّ القدامى كانوا يجمعون بين أكثر من تخصّص، فتجد النّحوي نفسه اللّغوي، ونفسه المقرئ، كأبي عمرو بن العلاء، إذ كان هذا العبقري، نحويًّا ولغويًا، وقارئ البصرة.