فهرس الكتاب
إلاّ أنّ عدم إشارة بعض كتب القدامى إلى هذه الظّاهرة، لا يعني أنّ الحديث عنها ليس موجودًا في بعضها الآخر، لا سيما أن المادّة الصوتية لم تقتصر على الكتب النّحوية، أو اللّغوية، أو القرآنية، بل تعدّتها إلى كتب أخرى بعيدة عن الاختصاص، كما هو الحال مع الفلاسفة.
أمّا القسم الآخر من المعاصرين فيرى أنّ كتب القدامى لا تخلو من إشارات حول الظّاهرة [1] ، لكنّها لا ترقى إلى تلك التي توّصلت إليها الدّراسات اللّغوية الحديثة.
والأصل في اللّغة أن تكون منطوقة، أمّا الكتابة فصدى لنقلها وتصويرها، مستحدثة رموزًا تترجم أصواتها، ولمّا كان التّنغيم واحدًا من الظواهر الآدائية التي تحكم اللّغة المنطوقة، فمن غير الممكن ألاّ يتناول الدّارسون القدامى الظّاهرة ولو تناولًا طفيفًا.
(1) كالدّكتور أحمد كشك الذي يقول:"وقدامى العرب، وإن لم يربطوا ظاهرة التّنغيم بتفسير قضاياهم اللّغوية، وهم وإن تاه عنهم تسجيل قواعد لها، فإنّ ذلك لم يمنع من وجود خطرات ذكيّة لمّاحة تعطي إحساسًا عميقًا بها، ورفض هذه الظّاهرة تمامًا أمرٌ غير وارد، وإن لم يكن لها حاكم من القواعد..."ينظر،"من وظائف الصّوت اللّغوي، محاولة فهم صرفي ونحوي ودلالي"، د/أحمد كشك، القاهرة، ط2، 1997، ص 57 ـ 58.
... كما يرى عبد الكريم مجاهد في ثنايا حديثه عن الدّلالة الصّوتية والصّرفية عند ابن جنّي أنّ هذا الأخير قد مسّ هذا الجانب ويقول في ذلك:"بذلك يظهر فضل ابن جنّي بجلاء ووضوح، ويثبت أنّه قد طرق باب هذه الموضوعات التي تعتبر من منجزات علم اللّغة الحديث، وبذلك تحفظ له أصالته ومساهمته". ينظر:"الدّلالة الصّوتية والدّلالة الصّرفية عند ابن جنّي"، د/عبد الكريم مجاهد عبد الرّحمن، مجلّة عالم الفكر، العدد 26، آذار 1982، السّنة الرّابعة، ص: 79.
... إلاّ أن الحديث عن التّنغيم لم يكن عند ابن جنّي، بل عند علماء آخرين، كسيبويه، والفلاسفة على الخصوص.