فهرس الكتاب
والثّابت من الرّوايات الموجودة في الكتب التّراثية، أنّ العرب احتكمت في كلامها إلى التّنغيم وظيفيًا لإبراز مقاصدها دون التّصريح بالمصطلح، ومن ذلك ما نصّ عليه الجاحظ في قوله:"لا تكون الحروف كلامًا إلاّ بالتّقطيع والتّأليف، وحسن الإشارة باليد والرّأس، من تمام حسن البيان باللّسان، مع الّذي يكون مع الإشارة من الدلّ والشّكل والتفّتل والتثنّي، واستدعاء الشّهوة وغير ذلك من الأمور" [1] ، ومن القول نلمح وعي الجاحظ لظاهرة التّنغيم التي تستكمل ما لم تستطعه الأصوات في سلسلتها التّركيبية، بل قد نجد في الدلّ والشّكل، والتفتّل، والتثنّي، ما لم تقدر الأصوات على تجليته.
فرّق الفلاسفة بين مصطلحين اثنين، وهما النغمة عندما يتعلق الأمر بالكلمة المفردة، والتّنغيم إذا أرادوا الكلام مصطلحين عليه بـ"اللّحن"، يقول الفارابي:"إذا أردنا أن نقرن القول بنغم مؤلّفة، فإنّا نعمد أوّلًا فنحصي عدد نغم اللحن، ونحصي عدد حروف القول غير المصوّتة، وما كان فيها من المصوّتة أضفناها إلى غير المصوّتة وعدّدنا كلّ مصوّت مع غير المصوّت المقرون به كحرفٍ واحدٍ، ثم نقايس بين العددين فبالضّرورة تكون نغم اللّحن، إمّا مساوية في عددها لحروف القول، وإمّا أقلّ عددًا منها" [2] .
فمصطلح"اللّحن"عند الفارابي قد أخذ بعدًا دلاليًا جديدًا، حيث أراد به التّنغيم المصاحب للألفاظ، فهو جماعة النّغم التي تصاحب الحروف، والعلاقة بينهما قائمة، كما يتوضح ذلك أكثر في قوله:"أمّا ترتيب النّغم في أجزاء اللّحن فإنّه على أنحاء كثيرة، فمنها ما أجزاؤها حادّ النّغم والتّالي له ثقيل النّغم. وعلى هذا التّرتيب إلى أن تنفذ أجزاء اللّحن" [3] .
(1) البيان والتّبيين، 1/79.
(2) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1100.
(3) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1168.