فهرس الكتاب
ويستخدم الفارابي النّغم والنّغمة للدّلالة على المعنى نفسه، وهو ما يعرف لدينا اليوم بـ"التّنغيم"، والذي يختلف باختلاف درجات الإسماع لقوله:"النّغم الأصوات المختلفة في الحدّة والثّقل التي تتخيّل أنّها ممتدّة" [1] . وأمّا الأقاويل التي لا نغم فيها فهي مبتذلة على حسب قوله:"الأقاويل المبتذلة كلّها قد يبلغ بها المقصود في تفهيم السّامع، وإن لم تكن الأصوات التي بها تخرج الأقاويل نغمًا مختلفةً في الحدّة والثّقل" [2] .
ويهتدي الفارابي إلى انزلاق النّغم من صوت إلى آخر، بنغمات متفاوتة، ولعلّ ذلك ما كان وراء قوله:"يلحق النّغم تغييرات منها أن تخالف في الشّدّة واللّين أو في التّقصير والتّمطيط ... وقد يلحقها تغيّرات في أنفس النّغم، وذلك بالإبدالات، فإنّه متى كان حقّ مكان في الجزء الثّاني مثلًا، أن تكون فيه نغمة حادّة فتبدل مكانها نغمة ثقيلة، أو ثقيلة فتبدل مكانها نغمة حادّة، وهذا التّغيير قد يمكن أن يلحق الأجزاء كلّها" [3] .
وأكثر من ذلك، يشير الفارابي إلى الوظيفة الدّلالية للنّغم أو التّنغيم في قوله:"ومن فصول النّغم الفصول التي بها تصير دالّة على انفعالات النّفس، والانفعالات عوارض النّفس، مثل: الرّحمة والقساوة والحزن والخوف والطّرب والغضب واللّذّة والأذى وأشباه هذه، فإنّ الإنسان له عند كلّ واحد من هذه الانفعالات نغمة تدلّ بواحد واحد منها على عارض من عوارض نفسه، وهذه إذا استعملت خيّلت إلى السّامع مع تلك الأشياء التي هي دالّة عليها" [4] . فالأداء وما يحمل من تنغيمات له أثر كبير في نفوس السّامعين، ومتابعتهم، وحسن إصغائهم، وفهم مرادهم.
(1) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1090.
(2) المصدر نفسه، ص: 1092.
(3) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1159 ـ 1160.
(4) المصدر نفسه، ص: 1071.