فهرس الكتاب

الصفحة 22226 من 23694

ولا يقف القرآن عند مرحلة تأكيد هذه العلاقة الفوقية، للإنسان على الطبيعة فحسب، وإنما يدعوه، في أماكن عديدة، إلى"التحرك"لاعتماد هذه العلاقة في تنفيذ متطلبات استخلافه العمراني (أو الحضاري) على الأرض. وهذا لن يتأتى إلا بالنظر العميق في ملكوت السموات والأرض، والدراسة المتأنيّة لنواميسه وقوانينه وأسراره، والسعي الدائم وفق أشد الأساليب العلمية تجريبية، للكشف عن هذه النواميس والقوانين والأسرار، من أجل فهم أكثر لقدرات الله تعالى الخلاقة، وإيمان أعمق به، ومن أجل استخدامها لتطوير الحياة على الأرض ومواصلة العمران، وتحقيق مفهوم الاستخلاف على كل المستويات..

فلقد دعا القرآن الكريم الناس إلى التبصر بحقيقة وجودهم وارتباطهم الكونية، عن طريق"النظر الحسي"إلى ما حولهم، ابتداء من مواقع أقدامهم، وانتهاء بآفاق النفس والكون. وأعطى القرآن الحواس مسؤوليتها الكبرى عن كل خطوة يخطوها الإنسان المسلم في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب. ونادى القرآن الإنسان إلى أن ينظر إلى كل ما حوله.. إلى طعامه، وخلقه، والملكوت، وخلائق الله تعالى، وآياته المنبعثة في كل مكان، والنواميس الاجتماعية وغير ذلك [1] .

"وقد انتقل القرآن خطوة أخرى، فسأل الناس أن يحركوا"بصائرهم"التي تستقبل في كل لحظة مدركات حسية، سمعية وبصرية، لا حَصْرَ لها. ومن ثمَّ، تتحمل"البصيرة"مسؤوليتها في تنسيق هذه المدركات وتمحيصها وموازنتها وفرزها، من أجل الوصول إلى الحق الذي تقوم عليه وحدة نواميس الكون والخليقة [2] ".

(1) انظر: المرجع السابق، ص ص 207 ـ 210

(2) المرجع السابق، ص 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت