فهرس الكتاب
فبينما ترسم المذاهب الوضعية، هي الأخرى، أهدافًا لحركتها الحضارية، تتميز حينًا بالغموض والمثالية كما هو عند الفيلسوف هيغل، وتتميز حينًا آخر بالتحديدات الصارمة والمادية كما هو الحال عند ماركس وانغلز، وتتميز حينًا ثالثًا بصبغة مسيحية باهتة غير مبررة عقليًا كما هو الحال عند أرنولد توينبي.. الأمر الذي فاد الأول ـ وهو يتحدث عن تجلي المتوحد من خلال الدولة ـ إلى أن يعطيها كافة المبررات الفلسفية لممارسة سياستها العدوانية التي قد تقود إلى الدمار الحضاري والظلم البشري، وقاد الثاني إلى إعلان ديكتاتورية الطبقة العاملة كهدف للحركة التاريخية وتبرير أي أسلوب لتحقيق هدفها مادامت لا تعد وأن تكون منفذة أمينة لمنطق التبدل في وسائل الإنتاج، الأمر الذي قادها إلى تنفيذ المجازر الجماعية تجاه كافة القوى المعارضة والتي لا تنسجم وبداهات التحضر البشري الحر.. وقاد الثالث ـ وهو بصدد حقن الحضارة الغربية المعاصرة بالأمل ـ إلى عملية ترقيع غير منطقية بين القيم الروحية المسيحية وبين بعض معطيات الديانات العالمية الكبرى، كاليهودية والبوذية والإسلام، فيما سماه"الديانة الرباعية الجامعة"، الأمر الذي يتناقض أساسًا مع طبيعة التجربة الدينية القائمة على التلقي عن المصدر الواحد، والتوجه المتوحد نحو هذا المصدر دون سواه، وفق عقيدة تتميز بالوحدة والترابط [1] .
يقول المؤلف:"بينما ترسم المذاهب الوضعية أهدافًا تتميز بالغموض والطغيان أو التناقض أو الانغلاق، نجد القرآن الكريم يعلن هدفه الواحد المتوحد المفتوح الذي يستقطب حوله كافة الفعاليات والقطاعات: عبادة الله، والتلقي عنه، والتوجه إليه. ويطلب من القوى المؤمنة أن تتحرك على مدار التاريخ، وفق كل الأساليب الإنسانية الشريفة الممكنة، لتجميع البشرية حول هذا الهدف الكبير (أن يكون الدين لله) ". [2]
(1) انظر المرجع السابق، ص ص 179ـ 180
(2) المرجع السابق ، ص 181