فهرس الكتاب
وهناك ظاهرة أساسية يتميز بها النشاط التعبيري في الإسلام.. ذلك أنه لا يقتصر على فترات متقطعة من الزمن، أو أماكن محددة من العالم، وإنما ينساح لكي يشمل كل الأماكن والأزمان. ليس هذا فحسب، بل إنه، في جوهره، تذكر للوجود الإلهي في الكون، وإدراك لأبعاده الشاملة: قدرة وإرادة وإحاطة ورقابة وعلمًا... واتصال دائم بالله سبحانه في كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال ظاهرة مرئية، أو إرادات لم تتشكل في أفعالها بعد، أو نيات وخواطر وتأملات وهواجس تدور في أعماق النفس.. وتقدير لعظمة الله تعالى الذي خلق الكون والحياة والإنسان على أروع وأدق نظام.. واعترف بالجميل للخلاق المبدع الذي هيأ للبشرية ظروفًا تمكنها في كل وقت من تحقيق السعادة الكاملة في الأرض والسماء. إن التعبد، بهذا المعنى، يمتد إلى كل مساحات الحياة البشرية، الظاهرة والخفية، الخاصة والعامة، الفردية والجماعية، المادية والروحية، تمامًا كما تمتد الدماء وتسري في أوصال الجسد البشري وخلاياه [1] .
"وإن كل ممارسة باطنية كانت أم ظاهرية، يمكن أن تكون تعبدًا، إذا كمنت وراءها نية مؤمنة تسعى إلى أن تجعل من كل فاعلية في الحياة وسيلة يتقرب بها الإنسان من الله تعالى، ويتعبد إليه، ويتذكر وجوده الشامل القادر المريد. وتضم هذه القاعدة الشاملة، فيما تضم، الشعائر الإسلامية (كالصلاة والصيام) نفسها، مضافًا إليها كل الفاعليات الأخرى، ابتداء من أشدها مادية وكثافة (كالتجربة الجنسية وتجارب الطعام والشراب) ، وانتهاء بسهر الليالي الطوال تقرّبًا إلى الله تعالى وتأملًا في ملكه [2] ".
* (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ـ الذاريات: 56
* (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون) ـ المؤمنون: 115
* ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثمَّ يجزاه الجزاء الأوفى) ـ النجم: 39 ـ 41
(1) انظر: المرجع السابق، ص 186.
(2) المرجع السابق، ص 187