فهرس الكتاب
يرى الفيلسوف هيغل أن الحركة الحضارية تقوم على النقائض على عالم الأفكار. بينما يرى ماركس وانغلز أن المسرح الحقيقي لاصطراع النقائض هو المادة ووسائل الإنتاج بالذات، تلك التي تخلق ظروفها الإنتاجية فصيغتها الحضارية. وأما توينبي فقد جاء بنظريته حول التحدي والاستجابة، القائلة بأن الحضارة التي تنجح في الاستجابة للتحدي هي التي تستمر وتتقدم، بينما تتعثر منكس الحضارة التي تفشل في ذلك التحدي.
إن محور الفاعلية الحضارية وأس الأسس في الحركة التاريخية (حسب المؤلف) هو الصراع. أو الجدل (الدياليكتيك) ، أو تحاور النقائض المتبادلة. ويرى المؤلف أن النظريات الوضعية إلى الصراع تجانب الصواب، بسبب من إهمالها دور الإنسان.. فهيغل يقصر الصراع على نطق الأفكار، ويردوه إلى مشيئة"العقل الكلي"الذي يعمل من خلال العالم نفسه، لا من موقع فوقي كما يتوهم البعض فيقربه ـ خطأً ـ من التصور الديني. وهو، بهذا، يجرد الإنسان والجماعة البشرية من اختيارها الحر ودورها الإرادي في حركة التاريخ. ويفعل الماديون (ماركس وانغلز) الشيء نفسه، ولكن على مستوى المادة، التي يجد الإنسان والجماعة البشرية أنفسهم حيالها غير قادرين على تغيير منطلقها الجدلي الصارم الذي يمضي إلى غايته، دونما أي اختيار أو تدخل بشري في طبيعة علاقاته الديالكتيكية. وأما توينبي فيقترب بنا (حسب المؤلف) خطوات واسعة باتجاه الرؤية الصحيحة والنظرة الأكثر انفتاحًا، عندما يضع على ساحة الصراع والحركة طرفي المسألة:"البيئة"و"الإنسان والجماعة"، ويعطي الطرف البشري اختياره وحريته في تقرير المصير [1] . فما هو الموقف الإسلامي من الصراع حسبما استخلصه مؤلف الكتاب من القرآن الكريم؟..
هناك نوعان من الصراع.. أمَّا النوع الأول فعلى مستوى الكون والطبيعة. وأما النوع الثاني فعلى مستوى الإنسان والجماعة..
(1) انظر: المرجع السابق، ص ص 231 ـ 233