فهرس الكتاب
"إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذين منحا للإنسان، فردًا وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان ـ بالضرورة ـ إلى عدم توحد البشرية وتحولها إلى معسكر متشابه واحد أو أرقام في جداول رياضية صماء. إن قيمة الحياة وصيروتها الحضارية الدائمة تكمنان في هذا الصراع القائم بين كتل البشرية المختلفة المتصارعة الموزعة. وإن حكمة الله تعالى شاءت، حتّى بالنسبة للكتلة الواحدة أو المعسكر الواحد، أن يكون ثمَّة انقسام وتغير وتنوع وصراع.. فهذه هي طبيعة العلاقات البشرية ما دامت تمارس حريتها في الأخذ والعطاء. وتلك هي إرادة الله المسبقة في أن تكون حياة الناس مغايرة نوعًا لحياة الخلائق الأخرى" [1]
وانطلاقًا من الموقف الواقعي في التفسير، يبين القرآن الكريم في أكثر من موضع أن"الأكثريات"البشرية تقف دائمًا في مواجهة الحق الذي لا تنتمي إليه إلا القلة الطليعية الرائدة، نظرًا لما يتطلبه هذا الانتماء من جهد وتضحية وعطاء دائم لا يتقبلها الكثيرون. وإن مصادر القوة والطاقة في صراع الحق والباطل لا تكمن ـ كما يعلمنا القرآن الكريم ـ في التباين العددي أو الكمي، بل إن العامل الحاسم هو التباين النوعي بين معسكري الإيمان والكفر. وكثيرًا ما يكون اختلاف الألسنة والألوان (الذي هو بحد ذاته من صيغ الإبداع الإلهي المعجز، والذي يعقبه تغاير الثقافات والقوميات) هو أحد العوامل الكبيرة التي تكمن وراء الصراع البشري المحتوم [2] .
(1) المرجع السابق ، ص 239 ـ 240
(2) انظر: المرجع السابق، 241 و 242