فهرس الكتاب

الصفحة 22250 من 23694

وإن الذي يفرق الموقف الإسلامي ويميزه عن غيره، هو أنه يطرح، إزاء مسألة سقوط الدول والتجارب والحضارات، ما يمكن تسميته"الحتمية التفاؤلية".. إنه يقرر حتمية الانحلال والسقوط، ولكنه يقرر، في الوقت نفسه، إمكانية أية أمة أو جماعة أن تعود باستمرار لكي تنشئ دولة أخرى، أو تمارس تجربة جديدة، أو تتولى زمام القيادة الحضارية والعقائدية، بمجرد أن تستكمل الشروط اللازمة لذلك، وأولها عملية التغيير الداخلي، أي تغيير ما بالنفس تغييرًا يمتد إلى كافة المساحات الأخلاقية، وسائر المكونات النفسية الأساسية، وكل العلاقات الداخلية مع الذات، ومع الآخرين، والتي تمكن الإنسان (فردًا وجماعة) من مواجه حركة التاريخ. فالقرآن الكريم يطرح، إذن، مبدأ التغيير الذاتي مقابل حتمية السقوط، والمداولة كوسيلة للاستعادة، ولا نقول للاستمرار، لأنَّه ليس بإمكان أية جماعة بشرية أن تظل متوترة الإرادة في مواجهة التحديات الدائمة، قرنًا بعد قرن، دون أن تضعف أو تغفل أو تفقد توترها هذا، فتتخلى عن مكانها المتقدم للجماعة الأكثر استعدادًا وحيوية وتوترًا [1] .

إن الأسباب الرئيسية لسقوط الدول والأمم والحضارات هي: وجود قيادة ظالمة وقاعدة ساكنة خانعة قابلة بالظلم، واجتماع الترف والحرمان، وتفشي الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة. إن السقوط نتيجة منطقية لمخالفة شروط الاستخلاف [2]

(1) انظر: المرجع السابق، ص 261 و 262

(2) انظر المرجع السابق، ص 266

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت