فهرس الكتاب
وهكذا، فالإنسان (وخلافًا لما تقول به التفاسير الوضيعة للتاريخ) ، هو العامل الحاسم في مسيرة التاريخ. أمَّا الفعل الإلهي في التاريخ فيكون إما مباشرًا (لتذكير الناس بخالقهم) ، ومعاقبة الكافرين)، أو غير مباشر عن طريق الحرية الإنسانية التي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث. وليس التاريخ مسرحًا للعبث، ولكنه محكوم بسننية صارمة وثابتة تقوم على المقدمات والنتائج المنطقية، وخضع للصراع الذي يحرك مياه التاريخ (فلا تركد ولا تسكن ولا تفسد) ، فيحرك الحياة نحو الأحسن. الصراع الذي هو صارع على مستوى الكون والطبيعة (بين السالب والموجب مثلًا) ، وصراع داخلي بين الإنسان والشيطان (الذي هو الجهاد الأكبر) ، وصراع خارجي أو تدافع في العلاقات بين البشر ضد أولياء الشيطان (وهو الجهاد) . وليس صحيحًا أن حركة التاريخ نتيجة للصراع بين النقيضين فقط (كما تقول التفاسير الوضعية) ، ولكنها، أيضًا، نتيجة الاستجابة الداخلية لنداء من فوق هو نداء القيم والمثل العليا.
وتبقى الدول والحضارات، وتتقدم، ما بقيت ملتزمة بشروط الاستخلاف. فإذا ما تحللت منها بممارسات معينة (مثل: ظلم القيادة وخنوع القاعدة، واجتماع الترف والحرمان، وشيوع الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة) ، تدهورت وانهارت وهزمت أمام الدول والحضارات الأخرى. ولكنها تستطيع (إذا ما عادت إلى الالتزام بشروط الاستخلاف ابتداء من تغيير ما بالنفس) أن تعود لتمارس دورها في مسيرة التاريخ.
كتاب الرحلة إلى المغرب والمشرق
لأبي العباس المقري
د.عبد القادر شرشار [1]
*مقدمة:
أبو
(1) * جامعة وهران -الجزائر.