فهرس الكتاب
إن الحماس الذي عرفه العرب المسلمون للفتح ومد صرح الدولة الإسلامية سرعان ما طغى عليه حبهم للثقافة والانفتاح على العالم والترحال. وكانت الدوافع الأولى للسفر والرحلة عند المسلمين هي حاجتهم الأساسية لشد الرحال نحو مكة لأداء فريضة الحج، خاصة مع توسع رقعة العالم الإسلامي، ثم ظهرت الحاجة بعد ذلك لزيارة العلماء والأولياء والصالحين للأخذ عنهم أو التبرك بمعرفتهم، فقد عرف عن المسلمين السفر طلبًا للعلم، عملًا بالحديث الشريف:"اطلبوا العلم ولو بالصين"، كما كانت الرحلة من الدوافع المهمة التي ساهمت في تطور علم الحديث الذي تطلب من علمائه الأتقياء، أن يدققوا في تفاصيل ناقل الحديث، وأماكن سكناه، وخلفيته الأسرية، وأمانته الشخصية لتأكيد أهمية ومصداقية وموثوقية النص الذي أورد فيه الحديث، أدى هذا كله إلى الاهتمام بالكتابات الطوبوغرافية والجغرافية والتاريخية، وقد تطلبت هذه المجالات العلمية الجديدة قدرًا كبيرًا من السفر، وأنتجت جنسًا أدبيًا هو أدب"الرحلة"، كمادة أدبية في حياكة نسيج متين من الحقائق العلمية والثقافية والتاريخية مع زركشتها أحيانًا بزخرف خيالي خصب كان الرحالون يطوعونه لأغراض معلنة أو خفية [1] .
ويمكن اعتبار كتاب الرحلة تدوينًا دقيقًا يوميًا للمشاهد والملاحظات، لكن هذا النوع من الإنتاج الفكري والأدبي والجغرافي الذي عظم انتشاره في فترة متقدمة من تاريخ الإسلام لم يكن واضح الحدود، فهو فعل كتابي مناسب لكل فن لأنه يمكن أن يُسكب فيه أي شيء من التوسيعات العلمية وفهارس المتاحف وحكايات القبائل وغيرها. [2]
(1) الرحالة المسلمون الذين زاروا الصين خلال القرون الوسطى، مرجع سابق، ص59-60.
(2) الرحلة وكتب الرحلات الأوروبية إلى المشرق حتى نهاية القرن الثامن عشر،د.جبور الدويهي، مجلة الفكر العربي، العدد الثاني والثلاثون، يونيو 1983، ص 58.