فهرس الكتاب
ثم إن المقري ابن مدينة هي تلمسان (الجزائر) حيث ولد ونشأ وقرأ وتعلم، وكانت المدينة عاصمة للدولة الزيانية لعدة قرون قبل مجيء العثمانيين، فاشتهرت برصيدها الثقافي الكبير لكثرة علمائها، وتنوع علومها، وتعدد مكتباتها، ووفرة مدارسها. وفي التاريخ الذي ولد فيه المؤلف كان قد مر على دخول الأتراك العثمانيين المدينة ثلاثة عقود من الزمن، الأمر الذي أفقدها أهميتها العلمية والسياسية، بسبب معاملة الأتراك لأهلها، وكذلك الحروب والفتن الداخلية التي كانت قد عرفتها الدولة الزيانية في أخريات أيامها، وعلاقتها بالإسبان في وهران، وضغط بني وطاس ثم السعديين عليها من الغرب والعثمانيين من الشرق، كل ذلك دفع الكثير من علمائها وأدبائها وشرفائها ممن فقدوا الشعور بالراحة إلى الهجرة منها شرقًا وغربًا، وقد اكتفى المقري بالأخذ عمن بقي من العلماء والفقهاء مقيمًا لم يهاجر. [1]
وفي الثالثة والعشرين من عمره غادر تلمسان قاصدًا مدينة فاس التي حل بها في صفر سنة 1009 هـ، ومنها إلى مراكش حيث اتصل بأبي العباس أحمد المنصور الذهبي، أشهر سلاطين السعديين وقمة مجدهم ووساطة عقد ملكهم، الذي اشتهر بعظائم الأعمال، وكانت فكرة حكمه من أزهى فترات التاريخ السعدي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. [2]
(1) المصدر السابق، ص 06.
(2) نفح الطيب، المقري، دار صادر، ج1،ص 13.