فهرس الكتاب
وقد قدرت العامة والخاصة في فاس هذا الموقف من المقري واعتبرته تصرفًا شرعيًا وازداد احترامها له.و بعد مدة من هذه الفتنة رقي إلى أعلى منصب في جامع القرويين وذلك سنة 1022 هـ تاريخ وفاة الشيخ أبي عبد الله محمد الهواري خطيب الجامع. غير أن المقري أحسّ بأن الأمور تسير على غير ما يرام بسبب التطورات الخطيرة التي عرفها المغرب الأقصى، لذلك قرر الرحيل، سيما وأنه اتهم بالميل إلى عرب الشراقة. ففي أواخر سنة 1027هـ/ غادر المغرب الذي أصبح أمنه منعدمًا وأوضاعه متدهورة، تاركًا وراءه زوجته وابنته وخزانة كتبه، بعد أن قضى فيه أربعة عشر عامًا. [1]
ومن ميناء تطوان ركب السفينة التي عرجت به على الجزائر وتونس فسوسة وصولًا إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة التي دخلها في رجب من عام 1028هـ، وفي ذي القعدة من السنة نفسها توجه صوب مكة المكرمة وأدى العمرة وبقي هناك ينتظر موسم الحج، وبعد أداء الفريضة توجه إلى المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي شهر محرم من 1029هـ/ 1620م عاد المقري من الحرمين الشريفين إلى مصر.
ومنذ ذلك التاريخ أخذ يكرر السفر من القاهرة إلى الحرمين الشريفين وبيت المقدس ودمشق، فكان دخوله إلى مكة المكرمة للحج خمس مرات، وزيارته للمدينة المنورة سبع مرات، أما بيت المقدس فقد سافر إليه ثلاث مرات، وأما دمشق فقد رحل إليها مرتين، وعند عزمه العودة إليها والاستقرار بها في المرة الثالثة وافاه الأجل، فيكون المقري قد قضى حوالي أربعة عشر عامًا متنقلًًاً بين مصر والحجاز والشام، كلها في طاعة الله وعبادته وتدريس العلم والتأليف ووضع المصنفات المختلفة حتى وافته المنية سنة 1041هـ/ 1632م بالقاهرة.
(1) المصدر السابق، ص 6.