وأثناء ذلك كانت أخبار العدو تزيد، فرأى الوالي أن يجهز قطعة حربية تستطلع وتعاين تلك الأخبار ولكن الغراب (القطعة الحربية) لما قارب أن يرى ويسمع العدو عصفت به الريح ورمته إلى مدينة بنشكلة على ساحل أراجون الشرقي حيث أضرمت فيه النار على يد الأسبان. ثمَّ أرسل الوالي في أثر الغراب قطعة ثانية تستوضح الأنباء حتّى انتهت إلى وادي كونة قرب ثغر بنشكلة وأسرت فيه مجموعة من الروم وعادت بهم إلى ميورقة مسرعة، فسئلوا عن جمع العدو فقالوا قد تكامل للنهوض. ثمَّ عزز الوالي بقطعة حربية ثالثة لاستجلاء الحقيقة فصادفت ريحًا رمت بها إلى ساحل فأغارت على سهلها وأخذت خمسة من أهلها. ولما استنطقهم الوالي نفى بعضهم علمه بالخبر، وبعضهم قال:"إن أهل أراغون في هذه السنة لا يتفرغون، وهم ببلدهم شاتون، وفي الربيع المقبل آتون، فقبل الوالي هذه التوسعة، واستخشن الهيجاء واستحسن الدعة، وأذن في الناس أن العدو غير وارد، والمثلثة في القعود على رأي واحد" [1] . كما أذن لأهل البادية بالعودة إلى بلدهم، وإنما كان هدفه من وراء ذلك مواصلة الانتقام ممَّن تآمر عليه.
ولما خلا له الجو أمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء ميورقة فأمر بضرب أعناقهم، وكان فيهم ابنا خالة، وخالهما هو أبو حفص بن شيري ذو المكانة الوجيهة الذي سيأتي ذكره عندما يتولى مقاومة الأسبان في البادية بعد سقوط ميورقة. ففرَّ إثر ذلك كثير من وجوه المدينة وأعيانها إلى البادية خوفًا من بطش الوالي وقومه، واجتمعوا هناك بابن شيري المذكور وعزوه في ابني أختيه وعاهدوه على طلب الثأر.
(1) المصدر نفسه، الورقة 10.