5)وفي شعر ابن الرّومي في الأَخفش جانبٌ آخر زادَ من حماسته لهجائه، وهو نكوصُ الأَخفش عن وعدٍ قَطَعَهُ لوجهاء تَوسَّطُوا عِند ابن الرُّومي ليكفّ عن هجائه. ويبدو أَنَّ الأَخفش لم يلتزم ما تعهّد بهِ من كَفّ لِسَانهِ عن ابن الرّومي وشعره، وفي مثل هذا المقصد يقول [1] :
يُلِيْحُ لي صَفْحةَ السَّلامَةِ والسّـ ... ـلْمِ ويُخْفي في قَلْبهِ مَرَضا
فقال فقَلُنا، ثمّ اسْتقال فأَعْـ ... ـفَيْناهُ، ثمّ اسْتَحالَ، فانتقضا
وله في هذه القصيدة:
كأَنّني بالشَّقِيّ مُعْتَذِرًا ... إذَا القَوافي أَذَقْنَهُ المَضضا
يَنْشُدني العَهْدَ يَوْمَذاك وَلِلـ ... مهدِ خِضَابٌ أَذالَهُ فَنصنَا
لا يأمَنَنَّ السَّفيهُ بادِرَتي ... فإنّني عارِضٌ لِمَنْ عَرَضا!..
وقد صدق توقُّع ابن الرّومي، على ما نَقل ياقُوت، وفيه: لمّا سارَ هِجاءُ ابن الرومي للأَخفش جَمع الأخفشُ جَماعةً من الرّؤساء، وكان كثير الصّديق، فَسألوا ابنَ الرّومي أن يكفَّ عَنه، فأَجابه إِلى الصَّفْح، وسأَلُوه أن يَمْدَحَهُ بما يُزيل عنه عارَ هجائه، فقال فيه [2] :
ذُكِرَ الأَخفشُ القديم فقلنا ... إنّ للأَخفش الحديثِ لَفَضْلا!.. [3]
ولنا عودةٌ إلى هذا الموضوع بعد استعراض قصائد ابن الرُّومي فيه.
في ديوان ابن الرُّومي 7 سبع قصائد وقطع تَخُصّ الأخفشَ الأصغر: خمس منها في هجائِه واثنتان نُظِمتَا بعد مُحَاولة الإصلاح بينهما. وهذه القصائدُ والقطع هي:
1 ـ قصيدةٌ دَالِيّة أَوّلها [4] :
رقابُ أَهْلِ الحُلومِ مُعْتَبَدهْ ... مَقْصُوْدَةٌ بالهَوانِ مُعْتَمدَهْ
(1) ديوان ابن الرومي 4: 1411.
(2) ديوان ابن الرومي 5: 1929.
(3) ولا يغيبُ عن القارئ المتابع الجانِبُ النّفسي في إعراض ابْنِ الرّومي عن الأَخفش"القديم"، واستقبال الأخفش"الحديث". ولولا فصْلُه بين"الشخصيتيّن"لما تَجرَّعَ هذا المُصالحة التي سيتبيّنُ أنّها على خشيةٍ وحَذرٍ وريبة.
(4) ديوان ابن الرومي 2: 741 ـ 742.