وإذا كانت أَسباب هجاء ابن الرُّومي واضحةً باعتبار ما يقولُه هو ما يدّعيه على الأَخفش، فإنّنا لا نَمْلِكُ ا لدَّليل المباشر، أو الكلام المَبْسُوط من الأَخفش في شعر ابن الرُّومي؛ وليس هناكَ ما يرشح من الأَخبار الباقية بوجهة نظر مدوّنة لهذا العالم النّحوي اللّغوي الذي تَصدّى لشعرِ أَحدِ كبار شعراء القرن الثّالث (ابن الرُّومي) والذي يُعَدّ أحيانًا خَيْرَ شُعراء زَمانِه؛ ونقرأ لأستاذنا الدكتور شوقي ضيف:"والحقّ أنّه كان شاعرًا بارعًا، بل لا أشُكّ في أَنه أبرع شعراء العصر" [1] .
ويصح أن نطرح سؤالًا تساعدنا الإِجابَةُ عنه في فَهْم شيءٍ عن الموقف بين الشّاعر المُبدع الّذي اخْتَار طريقَ الحَداثة، وعَمّق هذا التيّار ببراعته ومقدرته وخياله وقُدرته على الاستقصاء والتّصوير، وبينَ النّحوي اللّغوي الذي مارس (أَو شاركَ في) النّقد الأَدبيّ في مَجالِسه، ومُحَاضراته وإن لم يُذْكَر لَهُ كتابٌ في النّقد، ولم تُنقل عنه آراءٌ تطبيقيّةٌ على شعر ابن الرّومي أَو غيره... هذا السؤال هو: أين نَضعُ الأخفشَ في حركة النَّقد في القرن الثالث؟ وهل كان هناك تَيّارٌ هو مِن أَتبّاعه أَو: أُستاذٌ هو من أَنصاره؟...
شهدَ القرنُ الثّالثُ حركةً نقديّةً مُهِمّة، وهو عند المؤرّخين بداية النّص الموضوعي عند العَرب، وشارك في هذه الحركة أُدباء، وشُعراء، وعلماء من أهل النحو واللّغة. وظهرَ النّقد في أَثناءِ مؤلّفات أَدبيّة وثقافية عامّة، كالبَيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرّد؛ أَو في مقدّمات بعض الكُتب كَطبقات فُحول الشعراء لمحمد بن سلام الجحمي والشّعر والشعراء لابن قُتيبة، كما صَدَر كتابٌ عليه اسم"ثعلب"أحد أئمة اللغة والنحو اسمه:"قواعد الشعر"وصدرَ كتابُ"البديع"لابن المعتزّ، إِضافةً إلى نَثراتٍ في أثناء كتابه: طَبقات الشّعراء...
(1) تاريخ الأدب العربي (العصر العَبّاسي الثاني) : 324.