وكان الأخْفَشُ تلميذًا للمُبَرّد، وكان المبرّد من عُلَماء اللّغة والنحو في الاعتبار الأوّل؛ وعلى رغم عطفه على الشّعر المُحْدَث إذْ قدَّم اختيارات منه، كان مَيّالًا إلى مَذْهَبِ العَرب، وكان يفضّل البُحتريّ، فَهُوَ قريبٌ من النّهج القديم ويأخذ بما عُرِفَ بَعْدُ بعمود الشّعر؛ غير أنَّ الصّلة بين المُبرّد وبين الشعر المُحدث"لا تتجاوز مجالَ العَطْف كما عبّر د. إحسان عَبّاس [1] ."
وفي الدّيوان ـ بمناسبة الكلام على المُبَرّد والبُحتري [2] ـ شعرٌ لابن الرّومي في الرَّجُلَيْن فهناكَ قصيدةٌ واحدَةٌ في الثّناء على المُبَرّد، واستعطافهِ والاستعانةِ به وقد سأله فيها"أن يُحْسِنَ مَحْضَرَهُ عند صاعد" [3] وأَوَّلُها:
طرقَتْ أسماءُ والرّكبُ هُجودُ ... والمَطايا جُنَّحٌ الأَزوارِ قُوْدُ [4]
يقول فيها عن المبرّد (محمد بن يزيد الثّمالي) :
أَثناءُ ابْنِ يَزِيْدٍ بينَنا ... أَم نسيمٌ بَثّهُ رَوْض مَجُوْدُ؟
الثّماليًُّ ثمالُ المُرتجى ... مُطْلَق الأَصفادِ، والطّلقُ الصُّفودُ
إلى أن يقول:
وهو أَنْ تَنْهَضَ لي في حَاجَتي ... نَهْضَةً يُكْوى بها الجَارُ الحَسُودُ
فالعلاقَةُ طيبّةٌ، و الأَمل معقود بالثّمالي. لكنّ الموقفَ يختلفُ في نصٍّ جاء على هيئةِ قطعةٍ من خمسةِ أَبياتٍ فيها إقذاعٌ شديدٌ، أَضْرِبُ صَفْحًا عن الاحتجاج منها بشيء [5] .
(1) تاريخ النّقد الأدبي عند العرب: 91، وانظر الفقرة التي كتبها عن المبرّد ثمّة.
(2) "عزم البحتري على أن يعمل قصيدة على وزن قصيدته الطّائيّة في الهجاء فنهاه عن ذاك لأنه ليس من عمله"أضاف العقّاد: فإذا كان بينهما اقتباسٌ أو معارضة فالبُحتري هو المقتبس وهو الراغب في المعارضة.."ثم قال"إنهما نمطان متباينان ولكل منهما اعتدادٌ بنفسه يكفيه ويغنيه"ابن الرّومي 211 ـ 212."
(3) صاعد بن مَخْلد، وسترد الإشارة إليه.
(4) ديوان ابن الرّومي 2: 751.
(5) ديوانه 3: 925.