ما قال شعرًا ولا رَواهُ فلا ... ثَعْلَبَهُ كانَ لا، ولا أًَسَدَهْ
فإن يَقُلْ: إننّي رَوَيْتُ فكالدَّ ... فْتِرَ جَهْلًا بكلّ ما اعْتَقدَهْ
وهو جاهدٌ، لا يزيد عن المعرفة بالنحّو وقد ذكره عنده الصِّفةِ وَحْدَها في شعره الهجائي، وفي شعره التّصَالحِيّ أيضًا [1] .
والأخفشُ يدَّعي المعرفَة بالنّقد والنقّاد، ولا حقيقةَ وراء ذلك، إنْ نَقََدَ الشعّر فهو"مُبين العمى"إذا انتقده [2] !
وانطلق ابنُ الرّومي في الهُجوم على الأخفش ـ بعد تجريده من مُؤهلات الأَديب، والشاعر، والنّاقد ـ ليصفه بكلّ ما يخطر على باله من صفات الجَهْلِ والمرواغة. فلّما استقرّ للشاعر ذلك، كما يرى، التفت إلى الأخفش يتهدّده ويتوعّده بإبراقٍ وإرعادٍ، ويُحذّره من صَواعقِه، وقوافيه (الهجائية) ، ويجعل من نَفْسِهِ ـ بمواهبِه ـ سلاحًا فتّاكًا ضدّ الأَخفش، فإنّ للحِلْمِ حُدودًا ينتهي عندها...
وفي هذا المعنى يقول ـ مثلًا [3] ـ:
وإنّي لَمِبْرى لِمَنْ كادَني ... وما شئتَ مِن صَنَعٍ مِرْيَشِ [4]
أُخَيَّكَ لا تَسْتَطِشْ حِلْمَهُ ... فَما سَهْمُه عنك بالأطْيشِ
عَرَضْتَ لِشَوْكِ قتَاداتِهِ ... ومَا شَوْكُهُنّ بِمُسْتَنْقَشِ [5]
(1) الدّيوان، مثلًا، 4: 1410، 5: 1922.
(2) ديوان ابن الرومي 2: 743
(3) ديوان ابن الرومي 3: 1247.
(4) فكرة البيت موصولة يَبرْي السَّهم ورَيْشِه. فالقِدْحُ أَوَّل ما يُقْطَعُ يُسَمّى قِطْعًا، ثم يُبرى فَيُسمى: كريًّا، فإذا قُوّم وأَنَ لهُ أَنْ يُراشَ وأن يُنصَل فهو: القِدح، فإذا رِيْشَ ورُكب نَصْلُهُ صارَ: سَهْمًا..."ضربَه الشاعر مثلًا لبراعته في صنعة الشعر"
ـ وانظر اللّسان ( ب ر ي / ر ي ش ) .
(5) الديوان 3: 1247.
ـ يقال: انتقش الشوكة من يده: أخرجَها. والقتادات جمع القتادة؛ وفي كتب اللغة: القتادة جمع القتاد: شجر صُلب شائك، شوكة شديد.