فهرس الكتاب

الصفحة 23238 من 23694

والوصول إلى مرتبة الفحولة في الشعر ليس أمرًا سهلًا أو هينًا، يستطيعه كل من رامه، ويبلغه كل من سعى إيه، فالمسألة تحتاج إلى براعة في النظم، وقدرة على الإبداع الشعري، ومزيد من تثقيف الشعر وتحكيكه وتهذيبه وتنقيحه، وعدم الرضا بأول خاطر، وإعادة النظر في القصيدة مرات ومرات قبل إصدارها لجمهور المتلقين، كما أنها تتطلب من الشاعر أن ينصب من نفسه ناقدًا على شعره، يجيل فيه النظر، ويعيد فيه الكرة تلو الكرة، حتى يصل إلى النموذج الفريد والمتميز الذي يرضيه ويرضي متلقيه، بل ونقاده كذلك، وهذا ما يفسر لنا ظهور بعض القصائد المتميزة في شعرنا العربي، أطلق عليها النقاد تسميات كثيرة تدل على جودتها وتفوقها، كالحوليات والمقلدات والمعلقات وسواها من النماذج الرفيعة التي تؤهل بعض قائليها لأن يكونوا في عداد الشعراء الفحول، ونقول بعض قائليها، لأنه ليس كل من نسبت إليه معلقة، أو قصيدة جيدة يكون فحلًا، وقد أشار الجاحظ إلى هذا الأمر عندما تحدث عن الشعراء الذين لا يصدرون قصائدهم إلا بعد تمحيص وتدقيق، وطول تأمل وتدبر، فقال:

"ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويحيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإصرارًا لما خوله الله تعالى من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمحكمات، ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا، وشاعرًا مفلقًا [1] ".

(1) نفسه: 2/ 9 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت