فهرس الكتاب
لعل الأصمعي من أكثر النقاد الذين احتفلوا بمصطلح الفحولة، واعتمدوا عليه في إصدار الأحكام النقدية التي تتناول الشعر والشعراء، واستندوا إليه مقياسًا لتصنيف الشعراء، والموازنة بينهم، ولا سيما في الكتاب الموسوم بـ"فحولة الشعراء"، والذي ينسبه بعضهم للأصمعي، ويرى آخرون أنه مجموعة تقييدات استملاها منه تلميذه أبو حاتم السجستاني، ومهما يكن من أمر فإن هذا الكتاب يعد"من أوائل مادون من آراء نقدية مركزة في كتاب، إن لم يكن أولها [1] "،والشاعر الفحل عند الأصمعي هو من كانت"له مزية على غيره، كمزية الفحل على الحقاق [2] "، ولعل الفحولة بهذا المعنى تعني استمرار إعجاب العربي بالقوة، وتقديره للشجاعة، ونفوره مما هو ضدها من تخنث وضعف، وكما أنه ينبغي أن يكون الرجل قويًا جسديًا، فكذلك يجب أن يكون الشعر قويًا في ألفاظه، متينًا في سبكه، رصينًا في عبارته، ومن هنا نفهم ما روي عن الأصمعي، قال:"فال هارون يومًا لجلساته وأنا منهم: أيكم يعرف بيت شعر أول المصراع منه أعرابي في شملة، والثاني مخنث يتفكك، فأرم القوم [3] ،فقال هارون: قول جميل:"
"ألا أيها النوام ويحكم هبّوا"
فهذا أعرابي في شملة، ثم قال:
"أسائلكم هل يقتل الرجل الحبُّ؟"
فهذا مخنث يتفكك.
قال الأصمعي: فقلت: له: يا أمير المؤمنين، قول مادحك:
"يا زائرينا من الخيام"
أعرابي في شملة،"حياكم الله بالسلام"مخنث في يده دفُّ [4] "."
(1) النقد العربي القديم، د. محمود الربداوي: 33.
(2) فحولة الشعراء: 9 ، انظر الموشح: 63، والحقاق، جمع حق وحقة، وهي من أولاد الإبل الذي بلغ أن يركب ويحمل عليه ويضرب، وقيل: الحق، الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، لسان العرب: مادة/ حقق.
(3) أرم القوم، بالراء وتشديد الميم، سكتوا، لسان العرب: مادة / رمم، ويقال أيضًا: أزم القوم، بالزاي، أي: أمسكوا عن الكلام. لسان العرب: مادة/ أزم.
(4) الموشح: المرزباني 312 ـ 313.