فهرس الكتاب
فالفحل هو ذاك الأعرابي في شملته، وهو عندهم، ونقيضه هو المخنث الذي يتفكك، أو الذي في يده دفّ وهو المذموم عندهم.
وقد وصف بعض الشعراء بالتخنث في أشعارهم كالأعشى مثلًا، الذي نعت بأنه أخنث الناس في قوله:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجلُ
والنابغة في قوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد [1]
ووصف الأصمعي الشاعر عدي بن زيد بأنه"ليس بفحل ولا أنثى [2] "؛ يريد أنه شاعر وسط، فلا هو وصل إلى طبقة الفحول من الشعراء حتى يوصف بالفحل، ولا هو انحط بشعره، كثيرًا، إنه وسط بين الفحل والأنثى.
ونود أن نلفت النظر إلى أن"فحولة الشعراء"عند الأصمعي تعني فحول الشعراء، فالفحولة هاهنا جمع فحل، وليس المقصود بها معيارًا نقديًا معينًا، أو مقياسًا فنيًا واضح الأسس والمعالم، تقاس به شاعرية الشعراء، ويعرف من خلاله مدى براعتهم في الفن الشعري، كما قد يتبادر إلى الأذهان، فالأصمعي يريد أن يعرفنا بالشعراء الجاهليين الأكثر إبداعًا وتفوقًا وتألقًا وجودة شعر، فارتأى أن يصفهم بالفحول، ولا شك أنه كانت في ذهنية الأصمعي وعقليته النقدية معايير معينة، استطاع من خلالها أن يضع بض الشعراء في زمرة الفحول، في حين أنه استبعد آخرين، ووجد أنهم لم يصلوا إلى مرتبة أولئك في إبداعهم الشعري، إلا أنه لم يصرح بتلك المعايير، ولم يوضح لنا الأسس التي اعتمد عليها، والمقاييس الفنية التي استند إليها، والتي رأى من خلالها أن هذا الشاعر فحل، وذاك ليس فحلًا، ومع ذلك فإن تدقيق النظر في فحولة الشعراء، والقراءة المتأنية في أحكام الأصمعي النقدية التي تناول فيها الشعراء، كل ذلك يجعلنا نقف على بعض الأسس التي كانت توجه الرجل في أحكامه تلك، ونستقرئ بعض المعايير التي اعتمد عليها في تصنيفه للشعراء، ويمكن أن نجمل هذه المعايير، وتلك الأسس فيما يلي:
(1) نفسه: 66 ـ 67.
(2) فحولة الشعراء: الأصمعي، 11.