فهرس الكتاب
وهذا المعيار مهم جدًا في تقييم الشاعر، وقياس فحولته الشعرية، وبيان تميزه ومقدار براعته في نظم الشعر، فالأصمعي معجب بجودة شعر امرئ القيس، وريادته للشعراء، وفتحه الطريق لهم في الكثير من الموضوعات التي أخذوها عنه، واتبعوه فيها، يقول: بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس، له الحظوة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله واتبعوا مذهبه [1] ". وسأله أبو حاتم عن أول الفحول، فقال:"النابغة الذبياني، ثم قال: ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس:
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب [2]
فهو هنا يبين إعجابه الشديد ببيت امرئ القيس وجودته، حتى إنه ليفضله على ما سواه من أشعار، وعندما يسأل عن مهلهل يقول:"ليس بفحل، ولو كان قال مثل قوله:"
"أليتنا بذي جشمٍ أنيري"
كان أفحلهم [3] "."
فمهلهل بشكل عام ليس فحلًا برأي الأصمعي، ولكنه لو قال شعرًا بمستوى قوله السابق جودة وحسنًا لكان أفحل الشعراء.
وفي موضع آخر نراه يقرر أن كعب بن سعد الغنوي"ليس من الفحول إلا في المرثية فإنه ليس في الدنيا مثلها [4] "، وهذا دليل على إعجابه بجودة هذه القصيدة، كما أن هذا يعني أن الفحولة قد لا تشمل شعر الشاعر جميعًا، بل تقتصر على قصيدة واحدة بعينها، يكون الشاعر فيها فحلًا دون سائر شعره.
ونجد الأصمعي كذلك يعجب بجودة قصيدة جيمية لأبي ذؤيب الهذلي فيقول:"ليس في الدنيا أحد يقوم للشماخ في الزائية والجيمية، إلا أن أبا ذؤيب أجاد في جيميته حدًا لا يقوم له أحد، قال: هي التي قال فيها:"
"برك من جُذامَ لَبِيجُ [5] "
وثمة قصيدة رائية لبشر بن أبي خازم يقول فيها:
ألا بان الخليط ولم يُدانَ ... وقلبكَ في الظعائن مستعار
(1) نفسه: 9.
(2) نفسه: 9.
(3) نفسه: 12.
(4) نفسه: 14.
(5) نفسه: 20، وتمام البيت:
كأن ثقال المُزنِ بين تُضارعِ ... وشابَةَ بَركٌ من جُذامَ لَبيجُ
... ديوان أبي ذؤيب الهذلي: 50.