فهرس الكتاب
ومما يجدر بنا أن نشير إليه هنا، هو أن النقاد الذين جاؤوا بعد الأصمعي لم يعودوا يقصرون الفحولة على الشعراء الجاهليين فقط، فقد تحرروا من إسار التعصب للقديم، والانتصار له دون المحدث. ووجدوا أن كثيرًا من الشعراء المحدثين، قد وصلوا إلى درجة الفحولة الشعرية، وهذا ما نجده على سبيل المثال لا الحصر عند قدامة بن جعفر الذي قال في معرض حديثه عن تصريع مطالع القصائد: فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك، ولا يكادون يعدلون عنه [1] "."
5 ـ غلبة صفة الشعر على الشاعر:
أشار الدكتور إحسان عباس إلى هذا الجانب عندما تحدث عن الفحولة قائلًا:"إنها صفة عزيزة، تعني التفرد الذي يتطلب غلبة صفة الشعر على كل صفات أخرى في المرء [2] ".
فلا بد إذًا للشاعر حتى يكون فحلًا، من أن تكون صفة الشعر عنده غالبة على ما عداها من صفات، كالكرم أو الفروسية أو الصعلكة أو غيرها، فالشاعر حاتم الطائي إنما يعد بكرم، ولم يقل الأصمعي إنه فحل [3] ، وذلك لأن صفة الكرم غلبت عليه أكثر من غيرها من الصفات ولا سيما صفة الشعر، وهناك مجموعة من الشعراء عرفوا بالفروسية، أمثال: خفاف بن ندبة، وعنترة بن شداد، وعباس بن مرداس السلمي، وزيد الخيل الطلئي، فهؤلاء جميعًا لم يُصَنفّهم الأصمعي ضمن زمرة الفحول، بل جعلهم أشعر الفرسان [4] .
(1) نقد الشعر قدامة 51 ، وانظر ما كتبه إدريس الناقوري حول هذه المسألة في كتابه"المصطلح النقدي في نقد الشعر": 366.
(2) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إحسان عباس 52.
(3) انظر فحولة الشعراء: الأصمعي 14.
(4) نفسه: 14 ـ 15.