فهرس الكتاب
وإذا ما أردنا أن نحدد بعض شروط الحكمة، فإنها تتمثل في: أن تَرْضَى العامة والخاصة بها، في لفظها ومعناها، يتناقلونها فيما بينهم، ويتفوهون بها في السراء والضراء... وهي تتناول أخلاق الأمة، وتفكيرها، وعقليتها، وعاداتها، وحضارتها، وتقدمها، فبالحكم كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح [1] . إذن، الحكمة تمثل قيمًا كثيرة منها: دينية، وتاريخية، واجتماعية، وسياسية، وعقلية، وتربوية، لأنها تعكس بيئة المجتمع وحياته الأخلاقية، وتصرفات الفرد فيه، لأنه ابن بيئته.
وفضيلة الحكمة تتمثل في متصرفاتها، وحسن واقعها في جهاتها [2] . يقول أبو هلال العسكري:"إني ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن، كحاجته إلى الشاهد والحكمة والمثل والكلمة السائرة فإن ذلك يزيد المنطق تفخيمًا، ويُكسبه قَبولًا، ويجعل له قدرًا في النفوس، وحلاوةً في الصدور، ويدعو القلوبَ إلى وعيه، ويبعثها على حفظه، ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجاولة في ميادين المجادلة، والمصاولة في حلبات المقاولة، وإنما هو في الكلام كالتفصيل في العِقد، والتنوير في الروض، فينبغي أن يُستكثر من أنواعه، لأن الإقلال منها كاسمه إقلال والتقصير في التماسه قصور، وما كان منه مثلًا سائرًا فمعرفته ألزم، لأن منفعته أعم، والجهل به أقبح" [3] .
ويجتمع في الحكمة أربعة أمور لا تجتمع في غيرها من ضروب الكلام، وهي: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهذه هي نهاية البلاغة [4] .
(1) ـ و: في الأدب الجاهلي، ص387-390.
(2) ـ انظر: جمهرة الأمثال 1/3.
(3) ـ السابق 1/4/.
(4) ـ مجمع الأمثال 1/6.