فهرس الكتاب
ونجد أن أبا تمام في الحكمة تمثل نوعين، هما: القديم والحديث، يتمثل القديم بالتقليد، ويتمثل الحديث بالتجديد والتطوير، فهو لم يتخلّ عن القديم، ولم يبق أسيرًا له، لكنه لم يذمه، ولم يهجره، لأنه يتكئ عليه، وينهل منه، ويتمثّله، ويقلِّبه، ويتعمق به، ويسبر غوره، من أجل أن يكسبه حلّة جديدة تساير عصره، إذ اتخذه جسرًا ليحلق به في آفاق انتشار العلوم، ونقلها عن الأمم الأخرى، فهو لا ينظر وراءه، بل يتطلع إلى رحاب المعاصرة، آخذًا على عاتقه تلك النقلة النوعية التي أثارت من حوله المعارك النقدية والأدبية، المتمثلة بين المؤيدة والمعارضة، وفتح باب الاجتهاد في هذا الباب، مما جعله يحمل لواء توظيف معطيات العصر في الفن الشعري. فهذا لا يضيره، ولا يقلل من شأنه... وظل ذلك خاضعًا لثقافته، وتجاربه، وخبراته، وملاحظاته، ومشاهداته، ومدرسته التي اختطها لنفسه...
وفي هذا البحث سنعرض لنوعين من الحكمة، يتمثلان في: الحكمة التقليدية التي تقوم على الفطرة المثقفة، والحكمة التي تقوم على الفلسفة والمنطق والبرهان. فالنوع الأول شاعَ في ثنايا قصائده، وقد يكون في عبارة أو شطر، أو بيت أو أكثر، وهو في موضوعات شتى، لا يقف عند موضوع بعينه، لأن الحكمة قد ترد في المديح أو الرثاء أو الوصف أو في غيرها. وقد يصعب علينا، أحيانًا، الفصل بين النوعين، لأننا أمام شاعر يختلف عمّن سبقه في تجربته، وثقافته، ومشربه، وبيئته. ومن الظلم أن نقول عن أي شاعر: إنه نسخة مطابقة عن غيره من الشعراء، أو أن نقوم بمقارنة بينهما، إلا إذا تطابقت كثير من الشروط منها: الثقافة، والخبرة، والمعاصرة، والبيئة، والمدرسة التي ينتمي إليها كل منهما...