فهرس الكتاب
ولا نعني بالحكمة التقليدية أن الشاعر قد أخذ تلك المعاني وسلخها من الشعراء الذين سبقوه، إنما نعني بها تلك الحكم التي جاء بها الشاعر، وأطلقها من خلال تجربته، دون إخضاعها لثقافته العميقة التي تقوم على الفلسفة والمنطق، وإيراد الدليل، وإقامة البرهان من أجل إقناع المتلقي بصحة ما يذهب إليه... وهذا النوع عنده جدير بأن نعرض له، وأن نقسمه إلى قسمين: الأول يتمثل في توظيف التراث الذي يعبر عن مدى تغلغله في أعماقه، وتأثيره في انفعالاته، ورسوخه في وجدانه، وأثره في ثقافته، فهو يتأمل التراث المتصل بالحياة اتصالًا مباشرًا، يتعمقه، ويقلبه، ويفسره، فيخرجه من خلال نظرته إلى ما يحيط به، فيطبعه بطابعه الخاص، على الرغم من أن بعض هذا التراث قد مثل مرحلة فطرية بدائية، عبرت عن نفسية متأملة بالحياة في شتى مناحيها، بقصد أو بغير قصد... ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من توظيف التراث المتمثِّل بالمَثل، قوله: (من الوافر)
لِكلٍّ مِنْ بَنِي حَوَّاءَ عُذرٌ ... وَلا عُذْرٌ لِطَائِيٍّ لَشِيمِ [1]
فها هو ذا يعترض بالمثل القائل:"جود طيئ"و (طيئ) يضرب المثل بها، لكون (حاتم) و (أوس بن حارثة) ابن لأم منهم، وهما آية في الجود والكرم [2] . وقد تمكن من خلال هذا التعبير أن يحول الفكرة النظرية إلى واقع حسي، تطبيقي، ملموس، إذ شاهد الناس ذلك الكرم، وخبروا جود صاحبه، ورأوا عطاءه بالعين والمشاهدة.
(1) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص495.
(2) ـ ثمار القلوب، ص117.