فهرس الكتاب
وكان (الْبَرَّاض بن قيس الكناني) أحد فُتاك العرب الذين يضرب بهم المثل في الفتك، إذ فتك بـ (عُروة الرَّحال) في غير حرب، فجرَّ ذلك حرب الفجار، التي كانت بين قيس وكنانة، وشهدتها قريش ورئيسها حرب بن أمية، ولذلك يقال في المثل:"فتكة البّرَّاض" [1] ، فأخذه أبو تمام ليعبر به عما يجول في صدره من أن الفتى الجدير هو من يغترب، ويهزل في اجتياز الفلوات، كأنه حية كثيرة الحركة والوثوب، ويكون له في كل يوم بصرف الليالي فتكة مثل فتكة (البرَّاض) ، يقول: (من الخفيف)
وَالْفَتَى مَنْ تَعَرَّقَتْهُ الَّليالي ... والْفَيافِي كَالْحَيَّةِ النَّضَّاضِ
كُلّ يَومٍ لَه بِصَرْفِ الَّلَيالي ... فَتْكَةٌ مِثْلُ فَتْكَةِ الْبَرَّاضِ [2]
فقد تمكن الشاعر من تحويل الفكرة النظرية ـ التي لا يمكن تصديقها، ولا الاقتناع بما ذهب إليه، لأنها مجرد فكرة ـ إلى واقع يمكن تحقيقه، عن طريق توظيفه المثل الذي عرفه الناس، وعاينوه، وعرفوه عن تجربة.
ولا غرابة أن نجد الشاعر يتكئ على الأمثال الموروثة، وخاصة أن شعره هو يضرب به المثل، يقال:"شعر أبي تمام" [3] . يقول الثعالبي: ومن أشهر ما قيل في المثل"عين القلب"، قول أبي تمام: (الكامل)
وَلِذاكَ قيلَ مِنَ الظُّنونِ جَلِيَّةٌ ... صِدْقٌ وَفِي بَعضِ الْقُلُوبِ عُيونُ [4]
فهو يشير إلى أن حدس القلوب، ويقينها يكشفان الحقيقة الخفية، فكأن في قلوب بعض القوم عيونًا ترى وتنبئ بالغد.
وهاهو ذا يتحدث عن مسافرين هزلوا من وعثاء السفر حتى بدوا كالرماح نحولًا، والليل يحدق بهم، ويغشاهم من كل صور، وقد ارتحلوا في سبيل أمر قد يتحقق، وقد ينبو سعيهم فيه، وفضلهم في أنهم نزعوا إليه، ولا عاد عليهم إذا قصرت بهم الأحداث عنه، يقول: (من الطويل)
(1) ـ ثمار القلوب، ص170.
(2) ـ شرح ديوان أبي تمام، 343، (وتعرقته، أهزلته. والنضاض: الكثير الحركة والوثوب) .
(3) ـ ثمار القلوب، ص170.
(4) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص606.