فهرس الكتاب

الصفحة 23274 من 23694

يَرى الشاعر أن مَن طال مكوثه في قوم هان لديهم، وأنفوا منه، كالثوب الذي ذهبت ديباجته، وزينته، ورونقه، فإذا اغترب تجدد، وغدا موضع اشتياق، مثله مثل الشمس التي إذا غابت أثارت الشوق إليها في كل غداة. فالبيت الأول حكمة مستقلة تامة قائمة بذاتها، تصلح أن تكون مثلًا لشيوعها، وهي مزيج بين قضيتين: معنوية، وحسية، إلا أنها تجتمع في مسألة تقريرية، تتمثل في التجدد والتجديد، وهي خلاصة تجربة ومشاهدة، تعالج، بل تضع قانونًا يمكن أن يطبق في كل حالة مماثلة، في حسن تشبيه، عبر الزمن، لأنها تصلح لكل زمان ومكان. إذن، هي عبارة عن مشاهدات وملاحظات، ترصد الواقع، وتبيّن، العلاقات بين الأسباب والمسببات، وخاصة حينما يوردها الشاعر في ربط الاغتراب بالتجدد، فالعلاقة بينهما علاقة أبدية لا تنفك عراها ولا تنفصم، ولا تتحقق الثانية دون الأولى، فلابدّ من وجود الاغتراب حتى يتحقق التجدد، فالتجدد دون الاغتراب مستحيل. وعلى أية حالة، فإن هذا يتمثل في افتراض ـ على الرغم من أنه أصبح قانونًا مسلَّما به ـ يحتاج إلى إقامة الدليل، وإثبات البرهان على صحته... فيأتي البيت الثاني ليعبر عن معنى حسي، يسلم به الجميع، ويقرونه، وهو صالح أن يكون حكمة مستقلة أيضًا، لكنه يتحد مع الأول، ويقويه، ويؤكده، فيجعل منهما مقدمة ونتيجة، ويبدع في رسم صورة كلية بديعية منهما، وإن كانت تلامس الذهن، وتُدرك بالعقل، من خلال إخضاعها لعلم فلسفي منطقي، يقوم على المجادلة والبرهان، والشعر ليس بحاجة إلى ذلك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت