فهرس الكتاب
وقد ذكر ابن الأثير أن هذا المعنى مبتدع لم يسبق إليه الشاعر، وغيره كثير [1] . ويذكر ابن رشيق القيروان أن أبا تمام:"كان أكثر المولّدين اختراعًا، وتوليدًا فيما يقول الحذاق..." [2] ، ويذهب القيرواني إلى التفريق بين الإبداع والاختراع ـ وإن كان معناهما في العربية واحدًا ـ قائلًا:"إن الاختراع خَلْقُ المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قطّ. والإبداع: إتيان الشاعر باللفظ المستظرف الذي لم تجر العادةُ بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له: بديع، وإن كثر وتكرر الإبداع، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ، فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع، فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق".
ويرى الناقد إيليا الحاوي في معنى البيتين السابقين:"أن ثمّة من الإبداعية التي خص بها أبو تمام، وهي تنطوي على ما لا حدّ له من الإيحاء والتأليف بين وجه الإنسان ونفسه، وماهيته كلها وأخلاقها، وكأن الزمن يعبر كما يعبر بكل شيء. وهذا كلّه في المعاناة الحسية والنفسية غير المتياسرة، وغير المرتجلة، والصورة والفكرة تتناوبان في التجسد والتعبير، إلا أن الصورة تظل الأسمى" [3] .
ولم تكن الحكمة عند أبي تمام تعالج موضوعًا بعينه، لا تتعدى غيره، فالغزل له نصيب أيضًا من الحكمة، يقول: (من الكامل)
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى ... مَا الْحُبُّ إلاّ لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الْفَتَى ... وَحَنِينُهُ أبَدًا لأوَّلِ مَنْزِلِ [4]
(1) ـ المثل السائر 2/23.
(2) ـ العمدة 1/453.
(3) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص9.
(4) ـ السابق، ص764.