فهرس الكتاب

الصفحة 23276 من 23694

وعلى الرغم من سهولة الألفاظ ورقتها، فإنها تجمع الصلات بين الأشياء، وتوثقها، وتُآلف بينها، وتنطوي على قدر كبير من الإيحاء، يقوم على المعاناة الحسية والنفسية، وإن كان البيت الأول يمثل ذلك الإيحاء النفسي العميق، فإن الشاعر يبسطه بصورة جمالية، على شكل حكمة، وكأنه يفترض، ويقرر، وهو بحاجة إلى دليل وبرهان لإثبات ما ذهب إليه. ولذلك يوازن بين قضيتين، الأولى: افتراضية، تتمثل في أن الحب يطرق القلب لأول مرة وهو خالٍ من أي تجربة سابقة، ولذلك تبقى آثاره مزلزلة إياه، مؤثرة فيه وراسخة، مهما طال الزمن، وتعاقبت الهموم، لأنها ذكريات جميلة، خففت هموم الحياة في وقتها، وزرعت فيه بذور السعادة والحرية، فالذكريات مهما كانت في هذه التجربة بحلوها ومرها تبقى ملاذًا للتسلّي، ولذلك فإن الحب الأول هو الحب الذي لا يُنسى البتة، مهما مال الإنسان إلى غيره، أي: هو الأول والأخير: والأخرى: ثابتة، مُجرّ‍بة، مُسلَّم بها، تتمثل في أن الإنسان يتعلّق قلبه بالمنزل الأول الذي كان فيه مسقط رأسه، وقد نشأ فيه وترعرع، وعاش فيه تلك الطفولة التي لا تُنسى، فمهما ألف في حياته من منازل، وسكنها، بسبب رحلاته، وتنقلاته، على اختلاف أماكنها وأزمانها، فإنه لا محالة سيبقى آلِفًا لبيته الأول، متعلقًا به، يحنّ إليه، ويتوق إليه صباح مساء، وهذا من أكبر نعم الله في أنه زرع حب الأوطان المتمثلة في المنازل والديار في قلوب البشر، ولولا ذلك لما سُكنت أخابث الأرض. فالبيت الأول إذن هو ملاحظة وافتراض يحتاج إلى دليل وبرهان، فيأتي البيت الثاني معللًا ومؤكدًا صحة ما ذهب إليه الشاعر، عن طريق الإقناع والحجة، بأسلوب فلسفي منطقي، وهذا النوع يمكن أن نسميه"إن صحَّت هذه التسمية، ذلك أن الشاعر يعتمد على قدرته الفنية وثقافته العميقة لإثبات اليقين النفسي بالحقائق الشعرية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت