فهرس الكتاب

الصفحة 23277 من 23694

'ن الشاعر لا يفرض شعره على الآخرين، لكنه يحاول أن ينقل تجربته التي مرّ بها كما هي، وينفس التأثر، لتعبر عن ملاحظاته التي استكشفها، وهو يرى أ،ه من الضروري أن ينقل تلك التجارب والنظرات إليهم، لتكون عبرة لهم، تخدمهم في حياتهم، وتجعلهم يتعاملون مع ما يحيط بهم في ضوء تلك التجارب، ذلك أن الشاعر يرى ما يراه الناس، لكنه يرى ما لا يرونه، مع أنه شاخص أمامهم، لأنه ينظر بعين مختلفة عنهم، وله إحساس مرهف، يرى الأشياء به، وينفذ إلى ما وراءها، ولا يقف عن ظاهرها، بل يستكشف خفاياها الكامنة وراء الظاهر منها.

ويلح أبو تمام في كثير من حكمه على إعمال العقل، الذي يحدد الأشياء، ويستنتج منها ما قبله العقل، ويصنفه، ويُحْكِمُه في شعره، فيخرجه كما خطط له، ذلك أنه يدرك الأشياء بعقله، مع عدم إغفال ما يعاني منه في نفسه، فهو حكيم في التوفيق بينهما، وإقامة العلاقة القوية بينهما. انظر قوله: (من الطويل)

فَإنَّ الْفَتَى فِي كُلِّ ضَرْبٍ مُنَاسِبٌ ... مَنَاسِبَ رُوحَانِيَّةُ مَنْ يُشَاكِلُ

وَلَمْ تَنْظِمِ الْعِقْدَ الْكَعَابُ لِزِينَةٍ ... كَمَا تَنْظِمُ الْجَمْعَ الشَّتِيتَ الشَّمَائِلُ [1]

فالبيت الأول يمثل حكومة افتراضية تدور حول العلائق الروحية، التي تؤلف بين ذوي النسب الواحد. والآخر يبرهن الأول ويدعمه، ذلك أن الأخلاق المتماثلة تجمع وتؤلف بين أصحابها، كما تجمع الحسناء حبات العِقد وتؤلف بينها.

ويقول في حكمة أخرى: (من الكامل)

لا تُنْكِرِي عَطَلَ الْكَرِيمِ مِنَ الْغِنَى ... فَالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي [2]

(1) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص470 (والكعاب: المرأة التي نهد ثديها) .

(2) السابق، ص 452. (العطل: الخلو من الزينة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت