فهرس الكتاب

الصفحة 23279 من 23694

يرصد الشاعر في البيت الأول سلوك الناس وطبائعهم، وتصرفاتهم، وحياتهم، ويرى ما تؤول إليه كل فئة منهم، ما يناله الفتى في حياته وهو جاهل، وما يمنَّى به الفتى في دهره وهو عالم، ولذلك وصفهم، وحكم عليهم، بأسلوب منطقي، وأردف ذلك بحكمة أخرى، تقول: إنه لو كانت المخلوقات تنال رزقها بالعقل لكانت البهائم قد هلكت من جهل عقلها وإقلاله، لأن رزقها على الله. إذن، البيت الثاني يبرهن الأول، ويقوم عليه، ويحققه, ويثبته. ونرى أن الشعر صورة معبرة عن الذات، والنثر فكرة تعبر عن الذات أيضًا، لكنها تعبر عن فكر، والحكمة تعبر عن فكر أكثر ما تعبر عن صورة، ولذلك نجد أن الحكمة هي أقرب إلى النثر منه إلى الشعر.

وما دمنا نتحدث عن الرزق والغنى، فحريّ بنا أن نذكر قوله: (من الكامل)

إِنَّ الْعَزَاءَ وَإِنْ فَتى حُرِمَ الْغِنَى ... رِزْقٌ جَزِيلٌ للَّذِي لا يُرْزَقُ

هِمَمُ الْفَتَى فِي الأَرْضِ أَغْصَانُ الْفَتَى ... غُرِسَتْ وَلَيْسَتْ كُل عَامٍ تُورِقُ [1]

فهو يتكئ على مبدأ الصبر، الذي هو من التراث الديني، لأن الصبر رزق جميل لامرئ لم يُرزق مالًا، ولم يوسَّع عليه رزقه. وهمم الفتى في الأرض، مثل أغصان قد لا تُؤتى ثمارها كل عام. فالأشطر الثلاثة الأولى افتراض في ثوب حكمة، يأتي الشطر الرابع ليبرهنها، ويثبتها. فالأسلوب المتبع هنا وفيما سبق هو أسلوب فلسفي، يسعى إلى الإقناع عن طريق الحجة والدليل. وكما نلاحظ فإن الثقافات المتعددة عند أبي تمام، والمتمثلة في: الدينية والأدبية والعلمية والفلسفية قد امتزجت مع بعضها بعضًا لتؤلف سنفونية يضرب على أوتارها نغماته التي اختارها في باب الحكمة.

يقول في إساءة الدهر له، إنه ذكره بعهد الإقبال والسعادة والهناءة، ويضرب مثلًا لذلك. يتمثل في العسل الذي لا تعرف حلاوته إلا بمرارة الحنظل، أي لا تعرف الأشياء إلا بأضادها، يقول: (من الطويل)

(1) ـ السابق، ص842.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت