فهرس الكتاب

الصفحة 23280 من 23694

إسَاءَةُ دَهْرٍ أذْكَرَتْ حُسْنَ فِعْلِه ... وَلوْلا الشَّرى لَمْ يُعْرَفِ الشَّهْدُ ذَائِقُهْ [1]

نلاحظ أن القضيتين متوافقتان، الأولى مجرد فكرة افتراضية، يصف فيها طبائع المجتمع، من خلال مشاهداته وتجربته، يطغى عليها العنصر العقلي، ثم يأتي بصورة حسية، تصلح أن تكون حكمة أو مثلًا مستقلًا، ليؤكد ما ذهب إليه.

ونختم أمثلتنا [2] بقوله: (من الطويل)

وَمَا خَيْرُ حِلْمٍ لَمْ تَشُبْهُ شَرَاسةٌ ... وَمَا خَيْرُ لَحْمٍ لا يَكُونُ عَلَى عَظْمِ [3]

نلاحظ أن الأسلوب الفلسفي المنطقي في هذا البيت هو السمة البارزة، ذلك أنه يرى أن الرحمة المطلقة، والحلم الخالص في الحياة، والصفح المتواصل، لا يجدي، ولا يستقيم إلا إذا قابله القوة المطلقة، وشابه المعاقبة السريعة، واجتمع معه الغلظة. إذن، نجده يدعو إلى الجمع بين المتناقضات والمزاوجة بينهما. ومن وجهة نظره فإن عدم الجمع بينهما هو غير الطبيعي، وهو التناقض في الحياة، ولا يجوز الانفراد في أحدها دون الأخرى، وكأنه يريد أن يقول: الحلم المطلق لا خير فيه إلا إذا اجتمع مع العقاب، والعقاب المطلق لا خير فيه إلا إذا اجتمع مع الحلم المطلق، فهما صنوان لا يفترقان، مَثَلُ ذلك مثل اللحم الذي لا يكون على العظم، فاللحم دون عظم لا خير فيه، وكذلك العظم بلا لحم لا فائدة منه. فالشطران يمثلان جمع المتناقضات، وعلى الرغم من هذا التناقض، فإنها صورة طبيعية واقعية ضرورية وحتمية، ومع ذلك فإن الشطر الثاني جاء برهانًا على الأول الذي يحمل الفكرة الافتراضية...

(1) ـ السابق، ص224.

(2) ـ انظر مزيدًا من الأمثلة: السابق، ص44 و48 و60 و432 و645 و683 و884 و903 و938. وانظر كتاب: أبو تمام حياته وشعره، ص133-134 و138-139.

(3) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص909.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت