فهرس الكتاب
وبعد هذا العرض لنوعين من الحكمة عند أبي تمام، نلاحظ أنه ظلّ في النوع الأول يدور في رحاب الحكمة التي شارك فيها من سبقه، بخصائصها، وأساليبها، وأهدافها، وإن كان يخضعها في بعض الأحيان إلى نوع من الإبداع في الحيل الذهنية والنفسية...
أما النوع الآخر، فهو الذي أبدع فيه وبرع، وابتكر واخترع، وتفرد به وتميز من غيره، لم يسبق إلى مثله، يحلق في عالمه دون نظير، يشدو به بألحانه الخاصة، إذ استفاد من الحكمة كحكمة، وأخذ يطورها بمفهومه، وقدرته على كشف أبعاد الحقائق، وما تنطوي عليه من بعد نفسي. فالمعاني الذهنية والنفسية تتآلف عنده، وتتوحد، من خلال التأمل والتحري، والمعاناة، إذ"كان يقع على اليقين النفسي الصامد، والذي يخلف آثاره غير المتعفيّة في النفس. لقد كانت صلته وثيقة بالحقائق الشعرية، وإن كساها غالبًا حللًا فكرية، وخرجها عبر التعليلات والأقاويل. فعبر التأمل والتفكير العميق أدرك المرحلة الثانية من فهم ماهيات الأشياء في الوجود، ومال إليها وبات يبدع في التعبير عن تلك الصلات العجيبة، مما كان يصدم ذائقة عصره" [1] .
(1) ـ السابق، ص9.