فهرس الكتاب
أوجب النحويون البقاء على الأصل إذا خيف الغموض واللبس، وأجازوا الخروج عنه ما لم يقتضِ مقتضٍ يستلزم الالتباس، من ذلك أن الأصل عندهم أن يأتي الفاعل بعد فعله دون فاصل، لأنه كالجزء منه، ثم يأتي المفعول، وخلاف الأصل بأن يؤخَّر الفاعل ويقدَّم المفعول جائز عندهم ما بقي الكلام سليمًا من اللبس وما كان فيه قرينة لفظية أو معنوية تكشف عن المعنى وتجلِّيه، نحو قولنا: أكرم زيدًا خالدٌ وفَرَّحَ سلمى بكرٌ، لكنهم أَلزموا البقاء على الأصل إذا أَورث تقديم المفعول به على الفاعل لَبْسًَا، كأن لا تظهر علامة الإعراب على الفاعل، أو يخلو الكلام من القرينة الدالة على أحدهما، قال ابن مالك:"المرفوع بالفعل كجزئه، فالأصل أن يليه بلا فاصل، وانفصاله بالمنصوب جائز ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو للخروج عنه، فيجب البقاء على الأصل عند خوف التباس المرفوع بالمنصوب، نحو"ضرب هذا ذاك"، فالمرفوع في مثل هذا هو الأول، وإذ لا يتميز من المنصوب إلاَّ بالتقديم، فلو تميز بقرينة لفظية أو معنوية لجاز التقديم والتأخير، نحو ضرب موسى سلمى، ولحقت الأولى الأخرى [1] ".
ومما أوجب النحاة البقاء فيه على الأصل تأخير خبر المبتدأ إذا كانا معرفتين أو نكرتين دفعًا للبس، قال أبو حيان:"الأصل تأخير الخبر، ويجب هذا الأصل إن كانا معرفتين، نحو: زيد أخوك، أو كانا نكرتين، نحو: أفضل منك أفضل مني [2] "وقال ابن يعيش:"وإذا كان الخبر معرفة كالمبتدأ لم يجز تقديم الخبر لأنه مما يشكل ويلبس، إذ كل واحد منهما يجوز أن يكون خبرًا ومخبرًا عنه، فأيهما قدمت كان المبتدأ [3] ".
(1) ) شرح التسهيل لابن مالك: 2/133، وانظر الأصول في النحو: 2/245 وشرح الكافية للرضي: 1/72، وارتشاف الضرب: 1348.
(2) ) ارتشاف الضرب: 1103، وانظر شرح التسهيل لابن مالك: 1/296.
(3) ) ارتشاف المفصل لابن يعيش: 199.