فهرس الكتاب
وقد يقع الشاعر في ضرورات قبيحة, كالفصل بين المضاف والمضاف إليه وبين الفعل والفاعل بأجنبي, والتقديم والتأخير, حتى ليُظَنُّ معها ضعف لغته وقصوره عن سمت الفصاحة, وساق ابن جني شواهد ارتكب فيها الشعراء مثل تلك الضرورات, ورأى أن هذا الصنيع من الشاعر برهان على تطاوله لا على ضعف لغته, قال:"فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه, وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه, وليس بقاطع دلل على ضعف لغته" [1] .
ثم أشار إلى أن الشاعر إذا أخذ بشيء من تلك الضرورات فإنما ذلك لما آنس من وضوح معناه وجلاء غرضه ويقين من أن مراده يصادف فهمًا وعلمًا عند سامعه دون إبهام أو إلباس, قال:"فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه لأنه بعلم غرضه وسُفور مراده لم يرتكب صعبًا ولا جَشِم إلا أَمَمًا, وافق بذلك قابلًا أو صادف غير آنس به, إلا أنه قد استرسل واثقًا, وبنى الأمر على أن ليس ملبسًا" [2] .
وذكر النحاة أن الضمير يؤتى به مكان الاسم الظاهر احترازًا من الإلباس في المعنى, فلو أظهرنا الاسم ولم نضمره وقلنا: زيد ذهب زيد لذهب الوهم إلى أن زيدًا الثاني ليس زيدًا الأول, لذا جاء الضمير محل المظهر دفعًا للبس, فقلنا: زيد ذهب, قال ابن يعيش:"وإنما أُتي بالمضمرات كلها لضرب من الإيجاز واحترازًا من الإلباس, فأما الإيجاز فظاهر, لأنك تستغني بالحرف الواحد عن الاسم بكماله, فيكون ذلك كجزء من الاسم, وأما الإلباس فلأن الأسماء الظاهرة كثيرة الاشتراك, فإذا قلت:"زيد فعل زيدٌ"جاز أن يتوهم في زيد الثاني أنه غير الأول..." [3] .
(1) الخصائص: 2/392.
(2) الخصائص: 2/393.
(3) شرح المفصل لابن يعيش: 3/84.