فهرس الكتاب
وقد مزج الأعشى في هذه المقطوعة بين أوصاف الناقة ومشاق السفر لينتقل إلى تصوير الطرائد، وما يصادف ناقته من مخاطر، مشبهًا إياها بحمار الوحش. وصورها في فلاة مقفرة لا تجد فيها الإبل ما تأكل سوى الاجترار. ويقول إنه تجاوز هذه الفلاة على ظهر ناقة نشيطة قوية مسرعة وصلبة ترجم الأرض المرتفعة بأخفافها، فتشق ما فيها من حصى شقًا، ثم يشبهها في سرعتها بحمار الوحش، الذي يقاسي من حر الصيف وعض أمثاله ولا يمضي طويلًا مع هذا الحمار، بل يتركه إلى ثور وحشي يشبه به ناقته ويصوره طاويًا في إحدى ليالي الشتاء القاسية وقد لجأ إلى شجرة الأرط يحتمي بها. والمطر يسقط من حوله والفزع يأخذه من كل جانب، ثم خرج فزعًا يتوارى في عرض الرمال وكثبانها، وما لبثت كلاب الصيد أن رأته، فطاردته بغية اقتناصه، فأسرع يحاول فوتها.
وما يلاحظ على هذه المقطوعة بصفة عامة هو أن الأعشى لم يطل في تصوير ناقته إطالة طرفة أو النابغة أو لبيد أو غيرهم من الشعراء الجاهليين.
1.4 في معلقة لبيد: يقول لبيد في وصف الناقة
بطليح أسفار تركن بقية ... منها فأحنق صلبها وسنامها
وإذا تغالى لحمها وتحسرت ... وتقطعت بعد الكلال خدامها
فلها هبات في الزمام كأنها ... صهباء خف مع الجنوب جهامها
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه ... طرد الفحول وضربها وكدامها
يعلو بها حدب الأكام مسحج ... قد رابه عصيانها ووحامها
بأحزة الثلوب يربأ فوقها ... قفز المراقب خوفها آرامها
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جَزْءًا فطال صيامه وصيامها
رجعا بأمرهما إلى ذي مرة ... حصد ونجح صريمة إبرامها
ورمى دوابرها السفا وتهيجت ... ريح المصايف سومها وسهامها
فتنازعا سبطًا يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشب ضرامها
مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها ... منه مصرع غابة وقيامها
أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها