فهرس الكتاب
وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى تتبع اللحظات التي عاشتها البقرة بعد موت ولدها، وإذا كل لحظة تمثل حلقة في سلسلة العذاب والشعور بالوحشة، فقد كانت ليلة رهيبة تلك التي قضتها البقرة عقب مصرع ولدها، ليلة تعاونت فيها مظاهر الطبيعة إلى إشاعة هذا الجو الحزين. ثم يمضي بعد ذلك إلى تصوير الآلام التي عانتها البقرة من جراء تساقط الأمطار المتلاحقة والباردة على ظهرها مما اضطرها إلى البحث عن مكان تحتمي فيه من هذا المطر، فلم تجد من سبيل إلاَّ أن تدخل في جوف شجرة تقلصت أغصانها وانكمشت من شدة البرد.
وبعد أن صور الشاعر الناقة في تلك الليلة الرهيبة عاد ليتتبع خطاها، فإذا ما انكشف الظلام لم يزدها طلوع النهار إلا أسى ولوعة، وإذا بخطواتها مهزومة لا تكاد تمشي حتى تعثر فلا تقوى قوائمها على حملها. ثم يستطرد في وصف جزع البقرة التي لم ينقطع حنينها لولدها وهي منهمكة في الجزع، تروح وتجيء في هذا المكان لا تفارقه سبعة أيام بلياليها، ولا يرقأ لها جفن ولا يهدأ لها بال، حتى إذا يئست من اللقاء بولدها جف ضرعها الذي كان ممتلئًا لبنًا. وما كادت البقرة تنتهي من اليأس من لقاء ولدها حتى باغتها، وهي في خلوتها صوت خفي لإنسان، فأفزعها هذا الصوت وإن لم تعلم مصدره أو تتبين حقيقته. ثم أدركت بغريزتها أن هذه الوقفة الجامدة لن تنقذها من الخطر الذي يداهمها، فلم تمض لحظات حتى انطلقت في عدو سريع، وعندئذ أطلق الرماة وراءها سهامهم، فلما ذهبت هذه السهام أدراج الرياح ويئس الرماة من أن ينالوها، أطلقوا وراءها كلاب الصيد المسترخية الآذان الضامرة البطن، ولكن البقرة كانت قد أسرعت إلى الكلاب، فطعنتها بقرن كالرمح في حدته وطوله، وأيقنت أنها في موقف لا ينفع فيه التردد أو الخوف، هي إن لم تقتل الكلاب قتلها الصياد وكلابه.
الخلاصة:
توصلنا أثناء تعاملنا مع هذه النصوص إلى ضبط الملاحظات الآتية: