فهرس الكتاب
وفي الحديث كفاية لأهل النصيحة، بل قيل: إنه زبدة علوم الأولين والآخرين ونتيجة غاية حكم الأنبياء والمرسلين، وعش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، فلا تجعل الصالحات الباقيات فداء فانيات، ولا تكن من الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأن ذلك كله لا يعدل عند الله جناح بعوضة، وتأمل قوله تعالى: (ما عندكم ينفدُ وما عند الله باق( [1] مخالفًا نفسك في السعي لحطام الدنيا باكتساب ما يونسك [2] في قبرك، ويوصلك إلى الرفاقة مع المنعم عليها مخالفًا لجمهور مَنْ تبع هواه من أهل الدنيا والصحبة معهم، وإياك وميولاتهم من الزخارف [3] والزهرات، فهل يسلم من يشاركهم، فإنه لا خير من نجويهم [4] ، وهل يغتر اللّبيب [5] بغروهم، وكأن أيديهم يد مائة وعارية، وعز الدنيا ذل وذلها عز ونعمها نقم ونقمها نعم، ودار بلاء وفناء أولها ضعف وفتور وآخرها موت وقبور منحها مع المحن محرم وسرورها مع الحزن توأم، وكن مع الخَلْق على حسن معاشرة بالمرحمة والحلم والتودّد والشفقة وعَفْو من ظلم وأساءَ وإحسانه والتواضع والرفق واللينة وكظم الغيظ ودفع الغضب ما قدرت.
(1) الآية الكريمة رقم: 96، من سورة النحل، وتمامها: (ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ ولنجزينَّ الذين صبروا أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون(.
(2) يونسك: أي يلاطفك يزيل وحشتك.
(3) الزخارف: حسن القول لتزيين الكذب.
(4) نجويهم: نجواهم.
(5) اللبيب: ذو اللُب ولُب كل شيء خالصه والمقصود ذو العقل.