فهرس الكتاب
وأما الفارابي فرأى أن الأقاويل الشعرية ـ القائمة على التخييل ـ تستعمل"في مخاطبة إنسان يُستنهض لفعل شيء باستغرازه إليه، واستدراجه نحوه، وذلك إما أن يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده، فينهض نحو الفعل الذي يُلتمس منه بالتخييل، فيقوم له التخييل مقام الرويّة. وإما أن يكون إنسانًا له روية في الذي يُلتمس منه، ولا يُؤْمن إذا روّى فيه أن يمتنع، فيعاجل بالأقاويل الشعرية لتسبق بالتخييل رويته حتى يبادر إلى ذلك الفعل ( [52] ) ..."
الشعر مصدر المعرفة (ديوان العرب)
أطال النقاد العرب الكلام على وظيفة الشعر في أنه مصدر للمعرفة، ووعاء للثقافة، ومستودع للفكر، فيه حصيلة عظمى من التجارب الإنسانية، والخبرات البشرية، لأنه يستمد من الحياة، وهو لذلك سجل حي لما رآه الناس وما خبروه، فهو إذن مادة معرفية دسمة.
ولقد آمن العرب بالذات أن شعرهم هو وعاء تجاربهم، ومستودع حكمتهم، وهو ديوان معارفهم وعلومهم. وتتردد على ألسنة نقاد كثيرين عبارة:"الشعر ديوان العرب"التي تعني ما يمكن أن نطلق عليه بمصطلح العصر"دائرة معارفهم".
قال ابن فارس:"الشعر ـ شعر العرب ـ ديوانهم، وحافظ آثارهم، ومقيّد أحسابهم ( [53] ) ".
وقال الثعالبي:"كان يقال: الشعر ديوان العرب، ومعدن حكمتها، وكنز أدبها ( [54] ) ".
وقال التّبريزيّ عن الشعر:"أفضل الأمم من كان به أمهر، وحظّه فيه أوفر، وهم العرب الذين جعلوه ديوانهم الذي به يحفظون المكارم والمناسب، ويقيّدون به الأيام والمناقب، ويخلدون به معالم الثناء، ويبقون به مواسم الهجاء، ويضمّنونه ذكر وقائعهم في أعدائهم، ويستودعونه حفظ صنائعهم إلى أوليائهم ( [55] ) .."
وقرن أبو عمرو بن العلاء الشعر بالعلم، فقال:"ما انتهى إليكم ممّا قالت العرب إلا أقلّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير ( [56] ) .."