فهرس الكتاب
وعبّر ابن قتيبة عن احتواء الشعر العربيّ على كم هائل من المعرفة والخبرة والحكمة بقوله:"الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، ومستودع أيامها، والسور المضروب على مآثرها، والخندق المحجوز على مفاخرها، والشاهد العَدْل يوم النّفار، والحجة القاطعة عند الخصام، ومن لم يقم عندهم على شرفه، وما يدّعيه لسلفهن من المناقب الكريمة، والفعال الحميد بيتٌ منه؛ شذّت مساعيه وإن كانت مشهورة، ودرست على مرور الأيام وإن كانت جسامًا. ومن قيّدها بقوافي الشعر، وأوثقها بأوزانه، وأشهرها بالبيت النادر، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، أخلدها على الدهر، وأخلصها من الجحد، ورفع عنها كيد العدو، وغض عين الحسود ( [57] ) .."
وعلى نحو ما أوضحت أقوال النقاد العرب التي ذكرنا طائفة منها وظيفة الشعر في حفظ المآثر والأحداث، وتسجيل الوقائع والأيام، بيّن النهشليّ كذلك هذه الوظيفة، فذكر أنه لولا الشعر لجُهل تاريخ بعض القبائل، وضاعت مآثر وأفعال ولم يقم لها أبدًا منار. يقول:
"فلولا الشعر لم يقم لهذه الأفعال علم، ولا رُفع لها منار، ولدرست آثارها، كما درس كثير لم يقيّده الشعر، كالذي نسي من أفعال بني حنيفة وعجل، إذ لم يكن فيهم شعر، فدخلوا في جملة الخاملين ( [58] ) .."
وأما ابن طباطبا الذي جعل أساس الشعر صحة الطبع وسلامة الذوق، فقد رأى للشعر مهمة أساسية تتمثل في أنه مصدر صادق لمعرفة المثل والتقاليد العربية، فقد أودع القوم في أشعارهم حصيلة خبرتهم وتجاربهم، وما تضمنته حياتهم من أحداث وعادات، فهو إذن وثيقة معرفية لحياة العرب، وثقافة لابدّ منها لكل متأدب يريد أن يعرف تراث أمته وحضارتها. يقول ابن طباطبا: