فهرس الكتاب
"إن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركه عيانها، ومرّت به تجاربها، وهم أهل وبر، صحونهم البوادي، وسقوفهم السماء، فليست تعدو ـ أوصافهم ما رأوه منها وفيها.. فتضمّنت أشعارها من التشبيهات ما أدركه من ذلك عيانها وحسّها، إلى ما في طبائعها وأنفسها من محمود الأخلاق ومذمومها في رخائها وشدّتها، ورضاها وغضبها، وفرحها وغمّها، وأمنها وخوفها، وصحتها وسقمها، والحالات المتصرفة في خلقها من حال الطفولة إلى حال الهرم، وفي حال الحياة إلى حال الموت ( [59] ) .."
ثم مضى ابن طباطبا فساق كثيرًا من المثل والخصال العربية، وأورد أطرافًا من محمود الأفعال ومذمومها، وبيّن أن العرب بنت غرضي المديح والهجاء على هذه الخصال. ( [60] ) .
واتفق الجاحظ وابن قتيبة كلاهما ـ وهما في موطن الدفاع عن العرب، والرد على الشعوبية ـ على أن الشعر العربي مصدر المعرفة، فنحا ابن قتيبة ـ كما يقول الدكتور إحسان عباس ـ"منحى في الأنواء، وآخر في الأشربة، وثالثًا في الخيل، ليثبت لأنصار الكتب المترجمة أن في الشعر العربي ما يضاهي حكم الفلاسفة، وعلوم العلماء ( [61] ) .."
والحقّ أن الإحساس بالقيمة المعرفية للشعر العربي ـ ولاسيما القديم منه ـ حُرف عند النقاد العرب منذ وقت مبكر جدًا، فعمر بن الخطاب ـ ? ـيجعل الشعر أصحّ علم عرفته العرب.
يقول:"كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علمٌ أعلمُ أصحُّ منه" ( [62] ) وفي رواية:"لم يكن لهم علمٌ أعلمُ منه ( [63] ) "وقيل أنه"ما أبرم عمر بن الخطاب أمرًا قطّ إلا تمثّل فيه ببيت شعر ( [64] ) ".
وجعل عبد الملك بن مروان الشعر مصدر الخبرة في تعلم مهارات معينة، إذ أثر عنه قوله:"من أراد أن يتعلم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل ( [65] ) ".