فهرس الكتاب
وهكذا تحدث النقاد العرب طويلًا عن الوظيفة النفعية للشعر، من حيث أنه مستودع للمعرفة والخبرة، وأنه ديوان تراث العرب، ومادة تاريخهم، وسجل حياتهم. وكما تحرص كل أمة على معرفة تاريخها وتدبّره، لأخذ العبرة منه، وتوثيق العلاقة بين حاضرها وماضيها، حَرَصَ العرب على الاهتمام بالشعر وتعلمه وتعليمه.
ـ الشعر عون على فهم القرآن والحديث:
ومن وظائف الشعر المعرفية النفعية التي استجدّت في الإسلام الاستعانة به على فهم كتاب الله ـ عزّ وجل ـ وحديث النبي ـ ? ـ فالقرآن كلام عربي، نزل بلغة العرب، وعلى طرائقهم في التعبير، وأساليبهم في البيان، ومن هنا كان إعجازه؛ فهو يستخدم المادة اللغوية المطروحة بين أيدي الناس، والتي يعرفها فصحاؤهم وبلغاؤهم، ولكن بشكل متميّز رفيع لا يقدر العرب على مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، ولو كانت الجن كذلك معهم ظهيرًا.
وشكّل الشعر العربي أهمية كبرى في كونه مدخلًا إلى فهم أسرار التعبير القرآني، وفك رموزه ودقائقه، لاسيما أن القرآن الكريم كان فيه من جميع لغات العرب خَلاَق.
ولا نفتأ نسمع لدى النقاد العرب حديثًا عن وظيفة الشعر في فهم كتاب الله، وحديث نبيه ?.
وكان عمر بن الخطاب وابن عباس صاحبي ريادة في هذا الباب. روى عن عمر أنه سأل مرة عن معنى قوله تعالى: ?أو يأخذكم على تخوّف? فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوُّف التنقُّص. فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم، وروى قول الشاعر:
تخوُّف الرجل منها تامكًا قرِدًا
فقال عمر لأصحابه:"عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني الكلام ( [66] ) ". ... أنحبٌ فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ ( [71] )
وأما ابن عباس فكان كثير الإحالة على الشعر العربي من أجل فهم النص القرآني، وقد أُثرت عنه أقوال كثيرة تعبّر عن هذا المنزع.
قال:"إذا تعاجم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر عربيّ ( [67] ) ".