فهرس الكتاب
وقد اهتم الدارسون بتوضيح هذا"البيان"الذي طُبِعت به لغتنا العربية، فنثروا الكثير من الأفكار التي توضح مفاهيمه وأنماطه وطرقه وغير ذلك، وولّد هذا الاهتمام علمًا مخصوصًا هو"علم البيان". وكان أوّل مصنَّف يبحث في قضاياه كتاب"البيان والتبيين"، للجاحظ (ت 255 هـ) الذي لم يعط ـ على ما يبدو ـ لمفهوم آخر من الأهمية في هذا المصنّف ما أعطاه لمفهوم البيان (7) .
والبيان لدى الجاحظ"اسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته... لأنّ مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الوضع" (8) . فالبيان مرتبط بالدلالة الظاهرة عن المعنى الخفي؛ فكل دلالة واضحة على المعنى المقصود عنده"بيان"؛ لأنّ الغاية هي الفهم والإفهام.
ويرى الجاحظ أنّ وجوه البيان ترتدّ إلى خمسة أمور هي"اللفظ والإشارة والعقد والخط والنصبة" (9) ، وهي مقولات توضِّح أشكال البيان لدى الإنسان في هذا الكون.
وذكر الرماني أنّ البيان"هو الإحضار لما يُظْهَر به تميّزُ الشيء من غيره في الإدراك" (10) ؛ فالبيان مرتبط بإظهار ما يمكن أن يتميّز به الشيء عن غيره. وأوضح أنّه على أربعة أقسام؛ كلام وحال وإشارة وعلامة، وربط الكلام المبين بالقول الواضح المفهم. كما ذكر أنَّ البيان في كلامه يكون عن طريق كيفيات معيّنة، فـ"لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم بمعنى أو صفة... ودلالة الأسماء والصفات متناهية، فأمّا دلالة التأليف فليس لها نهاية، ولهذا صحّ التحدِّي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة" (11) . فالقرآن الكريم كلام مبين، تحدَّى به الله سبحانه وتعالى البشر في بيانه التأليفي، ولذلك وُصِف بالبيان في أعلى مراتبه.